
الدين الحقّ هو الدين المطابق للفطرة
المرأة والأسرة – قم – الجلسة السابعة
استخلص سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله سرّه) ثلاثة مطالب مِنَ الآية الكريمة (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنيفًا فِطْرَتَ الله الَّتي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْها لا تَبْديلَ لِخَلْقِ الله ذلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ)؛ المطلب الأوّل في بيان الفطرة وكيفيّتها وموارد عَملها ودورها وآثارها، فأجمل القول في بعضها وفصّله في أخرى. والمطلب الثاني في أنّ الدين القويم يتوافق مع الفطرة، فلا يشذّ أيّهما عن الآخر مطلقًا، مستنتجًا أنّ الدين الّذي يتلاءم مع الفطرة هو الدين الحقّ، والعكس بالعكس. والمطلب الثالث في الثبات على الدين الفطريّ وصرف الاهتمام إليه دون سواه.
الدين الحقّ هو الدين المطابق للفطرة
14إحدى مِلاكات الوليّ أنّ كلامه واحد مهما اختلفت الموارد
كنتُ أتحدّث في أحد المجالس عن مِلاكات معرفة الوليّ۱، فقلتُ: إنّ أحد هذه المِلاكات هو أنّ كلام الوليّ لا يتبدّل مع اختلاف الظروف وتفاوت الأحداث الّتي يمرّ بها، يعني أنّ كلامه واحدٌ في مختلف الظروف، سواء كان هذا الكلام في صالحه أم ضدّ مصلحته أم أنّه لا يعنيه أصلًا. هل التفتّم! هذا هو أحد المِلاكات؛ وهذا كان مشهودًا في تصرّفات المرحوم العلّامة، فقد كان كلامه واحدًا، فما كان يوصّي به النساء مِن ضرورة تبعيتهِنّ لأزواجهِنّ، كان يوصّي به بناته أيضًا.. هذا ما كنّا نراه بأعيننا.
حصل يومًا خلاف بين إحدى أخواتي وزوجها، فجاءت أختي إلى بيتنا، وطُرحت حينها وجهات نظر مختلفة حول ما يجب فعله، وفي هذه الأثناء خرج المرحوم العلّامة مِن غرفته قاصدًا الخروج مِنَ البيت، وعند مروره بالصالة رأى أختي وعرف ما جرى، فقال لها: عودي إلى بيت زوجك، وإن أردتِ أن تأتي إلى هنا مرّة أخرى فتعالي بمعيّة زوجك، البسِي الآن عباءتك واخرجي. أترون كيف أمر ابنته بنفس ما كان يأمر به غيرها مِنَ النساء. يُعلم مِن هذا التصرّف أنّ الرجل كان رجل حقٍّ وصدق، لا يتفاوت الأمر لديه، سواء بشأن ابنته أو غيرها، بل يتعامل في مثل هذه المواقف بشكل أشدّ، حتى أنّني اعترضتُ عليه مرّة وقلت له: تعامل معنا كما تتعامل مع الآخرين، ولا تزد عليه. فضحك وقال لي شيئًا.
نعم، هكذا هو الحال، فكلامه واحد في الموارد المختلفة، لا يتفاوت أبدًا. لماذا يكون الأمر بهذا الشكل؟ لأنّ الحقّ واحد لا يقبل الزيادة أو النقصان؛ فكما أنّ أبناء فلان محترمون ومعزّزون لديه، فكذلك الأمر بالنسبة إلى أبناء الآخرين، فهم على هذا النحو عند آبائهم؛ وكما أنّنا عطوفون على أبنائنا، يجب أن نكون كذلك تجاه الّذين يأتون إلى بيوتنا ليعيشوا معنا، فهم كانوا معزّزين ومحترمين في المحيط الّذي كانوا يعيشون فيه.
الحقّ واحد فيجب أن يكون الحكم واحد في مختلف الظروف
على الإنسان أن يكون حذرًا جدًّا في مثل هذه الموارد، فلا يسمح للشيطان أن يتدخّل – لا سمح الله – في حكمه على الآخرين، فيجعله يحكم بأحكامٍ متفاوتة؛ فتراه يتصرّف بشكل معيّن مع مَن تربطه بهم علاقة صداقة أو قرابة، أمّا مع سواهم فتراه يتصرّف بشكل مغاير. مَن يفعل ذلك، لن يكون مصداقًا لـ {فَأَقِمْ وَجْهَكَ}؛ إنّ {فَأَقِمْ وَجْهَكَ} تعني أن ينظر المرء إلى الطرف المقابل على ما هو عليه دون أن يأخذ بالاعتبار نوع العلاقة [الّتي تربطه به]، كالقاضي الّذي يَمثُل أمامه شخصان لا يعرف أيّ شيء عنهما، فقضاؤه لصالح أحد الطرفين لن يجلب له أيّ نفع، فعندما يكون كِلا الخصمين غريبين، لن يجني أيّ نفع مِن قضائه لأحدهما على حساب الآخر.
- تناول سماحة السيّد (قدّس الله سرّه) هذا الموضوع وما يرتبط به بشكل مفصّل في كتابه (أسرار الملكوت). (م)
