
الدعاء: بين فقر الداعي وعصيانه، وعظمة المدعوّ وصفحه
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة التاسعة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان العلاقة بين الدعاء والاستجارة، ثمّ تحدّث عن عدم نقصان الخزائن الإلهيّة بواسطة العطاء، وبيّن سبب اطمئنان الإنسان إلى صفح الله ورحمته، وأنّ عِظم أمل هذا الإنسان به تعالى يقيه من اليأس والاستسلام، مشيرًا إلى أنّ نيله للرحمة الإلهيّة بفضل الله تعالى لا بأعماله هو؛ كما تطرّق إلى ضرورة شعور الإنسان بالحاجة عند الدعاء، وكيف أنّ هذا الإنسان يقابل محبّة الله بالمعاصي، مع عدم مؤاخذته تعالى إيّاه على ذلك، ليختم كلامه في الأخير بأنّ سوء الظنّ بالله تعالى مانع عن الحركة
الدعاء: بين فقر الداعي وعصيانه، وعظمة المدعوّ وصفحه
8«فَلَيسَ هَذَا ظَنُّنَا بِكَ ولاَ هَذَا فِيكَ طَمَعُنَا».
فنحن لا نمتلك هكذا ظنّ بك، ولا يأتي على ذهننا مثل هذا الخيال والطمع فيك؛ بل ولا يخطر في بالنا أبدًا أن يكون لنا أمل بك، ثمّ تُرجعنا خالو الوفاض، وأن يكون لنا ظنّ حسن بك، ثمّ تقلبنا خائبين! فلا يُمكن لهذا التفكير أن يُساورنا بتاتًا!
«[يَا رَبِّ] إنَّ لَنَا فيكَ أَمَلاً طويلاً كثيرًا»؛ فهذا الآن لا يعدو كونه الخطوة الأولى، وإلاّ، فنحن لدينا آمال طويلة!
«إنَّ لَنَا فيكَ رَجاءً عَظيمًا»؛ فنحن لدينا فيك رجاء عظيمًا، وهو أكبر من ذلك.. أكبر بكثير!
فالأمل الذي لدينا فيك كبير جدًّا، وهو ليس صغيرًا، حتّى نستسلم بسرعة؛ كما أنّ رجاءنا ليس صغيرًا، بحيث ما إن يُواجهنا مانع، حتّى يتحوّل هذا الرجاء إلى يأس، بل هو كبير جدًّا، كبير جدًّا! فرغم أنّ أيدينا فارغة، إلاّ أنّ رجاءنا عظيم!
«عَصيناكَ (وتمرّدنا عليك، وارتكبنا الذنوب) ونحنُ نَرجُو أَن تَستُرَ عَلَينا، وَدَعَوناكَ ونحنُ نَرجُو أَن تَستَجيبَ لَنَا».
فهذا هو رجاؤنا؛ وهو عظيم: «إنَّ لَنَا فيكَ رَجاءً عَظيمًا»، ولهذا، فإنّنا نُذنب؛ لأنّ رجاءنا عظيم، حيث يأتي هذه الرجاء مباشرةً بعد الذنب، فيتعيّن عليه أن يستره! فنحن ندعوك، ورجاؤنا عظيم؛ ولازم عِظم هذا الرجاء أن تتعقّب الاستجابةُ الدعاءَ مباشرةً، بحيث متى ما قلنا: «إلهي»، فإنّك تقول: «نعم»؛ لأنّ لدينا رجاء!
«فَحَقِّق رَجَاءَنا مَولانا»؛ فيا مولانا، ويا سيّدنا، حقّق رجاءنا؛ أي رسّخه.
فنحن لا نملك إلاّ هذا الرجاء والأمل؛ وقد تحقّقنا من حساباتنا، فلا يوجد فيها أيّ شيء من الأعمال الصالحة، وأيدينا فارغة؛ كما أنّ المعاصي قد أحاطت بنا من كلّ جانب، ولا يوجد لدينا إلاّ معرفة وحبّ: «معرفتي يا مَولايَ دليلي عليكَ وحُبِّي لكَ شَفيعي إِلَيكَ»۱.٢
فلديّ هذين الاثنين ولا شيء سواهما، حيث أوجد هذا الحبّ فيّ الرجاء، كما حقّقته وأثبتته فيّ أيضًا تلك المعرفة؛ وبالتالي، لا يوجد لدينا أيّ عمل صالح؛ وإذا كنت تتوقّع أن نقوم بعمل صالح تُدخلنا بواسطته إلى الجنّة، فإنّنا لا نملك بتاتًا في وجودنا وجوهرنا ودائرة حياتنا ومحيطنا وماهية كينونتنا أيَّ عملٍ يقع في مقابل رضوانك! فلا يقدر هذا الجوهر والموجود المحدود على أيّ فعل يُحصّل بواسطته رضاك؛ وبالتالي، فإنّنا فرغنا من هذه المسألة، وسلّمنا بأنّنا لا نقدر على أيّ شيء؛ فلدينا رجاء بك أنت، لا بأعمالنا؛ «فَحَقِّق رَجاءَنا»؛ فأنت مولانا، ونحن عبيدك؛ ومقتضى المولويّة أن يقضي المولى حوائج عبيده؛ لأنّ العبد ليست له من نفسه أيّة ملكيّة أو سلطة، بل السلطة هي للمولى، بحيث يتعيّن عليه الامتثال لكلّ فعل يأمره به؛ كما أنّ مسؤوليّة هذا العبد والتزاماته تقع بأجمعها على عاتق مولاه! فأنت يا إلهي مولاي، ولا يوجد لديّ مولى غيرك، لكي أتوجّه إليه؛ «فَحَقِّق رَجاءَنا»؛ لأنّ هذا الرجاء العظيم الذي يحدونا تجاهك هو رجاء صحيح وغير باطل؛ فرسّخه، واختم عليه، وقوّمه؛ فهو ليس برجاء خاطئ، بل هو صائب؛ غاية الأمر أنّنا نريدك أن تُثبّته قليلاً!
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥۸٣: «معرفتي يا مَولايَ دّلَّتني عليك و...»؛ إقبال الأعمال، ج ۱، ص ٦۸.
- راجع: هذا الكتاب بعينه، المجلس الخامس.
