
الدعاء: بين فقر الداعي وعصيانه، وعظمة المدعوّ وصفحه
شرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ – الجلسة التاسعة
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان العلاقة بين الدعاء والاستجارة، ثمّ تحدّث عن عدم نقصان الخزائن الإلهيّة بواسطة العطاء، وبيّن سبب اطمئنان الإنسان إلى صفح الله ورحمته، وأنّ عِظم أمل هذا الإنسان به تعالى يقيه من اليأس والاستسلام، مشيرًا إلى أنّ نيله للرحمة الإلهيّة بفضل الله تعالى لا بأعماله هو؛ كما تطرّق إلى ضرورة شعور الإنسان بالحاجة عند الدعاء، وكيف أنّ هذا الإنسان يقابل محبّة الله بالمعاصي، مع عدم مؤاخذته تعالى إيّاه على ذلك، ليختم كلامه في الأخير بأنّ سوء الظنّ بالله تعالى مانع عن الحركة
الدعاء: بين فقر الداعي وعصيانه، وعظمة المدعوّ وصفحه
6وانتبهوا، فإنّ البخيل أسوء من الطمّاع؛ لأنّ الطمّاع هو الذي يسعى لجلب الأموال لنفسه؛ وأمّا البخيل، فعلاوةً على أنّه يسعى أيضًا لجلب الأموال لنفسه، فإنّه لا يتحمّل أن يرى الآخرين يتنعمّون بهذه الأموال؛ ففضلاً عن أنّه لا يتنعّم بالمال، فإنّه لا يتحمّل رؤية الآخرين يتنعّمون به.
﴿وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ (أي بخل نفسه) فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾؛۱
فكلّما كانت النفس منشرحةً، وليّنة، وصبيبها أكثر، كان ذلك أفضل! فحينما يصير الماء جاريًا، يُصبح طاهرًا وصافيًا؛ ولهذا، فإنّ مياه الأنهار الجارية لا تتلوّث أبدًا بالميكروبات، ولا يُصيبها التعفّن بتاتًا؛ خلافًا للمياه الراكدة؛ نظير مياه البِرَك والمسابح التي إن ظلّت على حالها، فإنّها تفسد. وقد ثبت طبقًا لمعادلة رياضيّة محدّدة أنّه: نتيجة لجريان الماء، فإنّ الهزّات الأرضيّة الخفيفة (Tremors) تعمل ـ عن طريق خاصّية النفاذيّة ـ على إيصال ذرّات هذا الماء إلى مكان معيّن، بحيث تقوم بقتل وإزالة كلّ ميكروب يتسلّل إليها؛ لكن، إذا كان الماء راكدًا، فإنّه لن يتوفّر على هذه الميزة؛ وبالتالي، سيتعفّن.
فالمال مال الله تعالى؛ وهو يأتي من موضع خاصّ، ويذهب إلى موضع آخر؛ والإنسان ليس مالك المـُلك، ولا مَلِك الملوك؛ ومع ذلك، نجده يدّعي أنّه ملِك الملوك، ومالك المـُلك؛ فيعمل بذلك على خداع نفسه! «وَلا تَقِلُّ رَحمَتُكَ»؛ «اللهُمَّ إنِّي أسأَلُكَ بِرَحمَتِكَ التي وَسِعَت كُلَّ شَيءٍ».
سبب اطمئنان الإنسان إلى صفح الله تعالى ورحمته
«وَقَد تَوَثَّقنا مِنكَ بِالصفحِ القَديمِ والفضلِ العَظيمِ والرحمةِ الوَاسِعَةِ»
إلهي، لقد تشبّثنا بك، ووثقنا بك، وحصل لدينا اطمئنان إلى كرمك، ووضعنا قلوبنا عند أعتابك، رجاءً لصفحك؛ مع أنّ هذا الصفح ليس جديدًا عليك، بل إنّ من صفاتك القديمة أنّك تصفح، وتتغاضى؛ وذلك لأنّك عظيم.
فلو كان أحد يفتقر للعظمة، ووُجّهت إليه إهانة يسيرة، وتعومل معه بما لا يتوافق مع شأنه، لأصبح عدوانيًّا، وبدأ يصرخ، ويشتم، ويضرب؛ وأمّا الذي يكون عظيمًا، [فلا]!
فإن كان يوجد في البيت رجل عظيم، وكان الأطفال يلعبون هناك، فإنّك لا تراه يصرخ في وجوههم، أو يتعارك معهم باستمرار؛ لكن، إن كان صاحب هذا البيت ذا نفس وضيعة، فإنّك تجده يصرخ دائمًا مثل الأطفال الذين يصرخون؛ وحينما يجرون، فإنّه يجري وراءهم؛ وحينما يلجؤون للشتم، فإنّه يقوم بالفعل ذاته؛ فيكون كالطفل تمامًا! وأمّا العاقل، فلا يتصرّف بهذا النحو، بل يقول: «إنّهم أطفال، ومن شأنهم إحداث الضجيج، واللعب؛ ففي جميع الأحوال، هم أطفال، فما شأني بهم؟!». هل سبق أن رأيتم كلبًا ينبح في الزقاق، فينبح الأطفال أيضًا، ويجرون وراءه، ويذهب من هذه الناحية، فيذهبون من الناحية الأخرى؟ لأنّهم أطفال! وأمّا الإنسان المحترم، فحينما يخرج من بيته، ويمشي في الزقاق، ويبدأ ذلك الكلب في النباح، فما الذي يفعله؟ يمشي في طريقه، ولا يعتني بذلك النباح! لأنّ ذاك كلب، وحيوان؛ وهذا الفعل هو مقتضى حيوانيّته؛ في حين أنّني إنسان، ولا ينبغي عليّ أن أتشاجر معه!
- سورة الحشر، الآية ٩؛ سورة التغابن، الآية ۱٦.
