
ما معنى الفزع وكيف يتصوّر عند الإمام؟
: تتحدّث هذه المحاضرة حول محور أساسيّ يدور حول الأسئلة التالية: ما معنى الفزع وما الفرق بينه وبين الخوف وما هي أسبابه؟ وهل يمكن للإمام المعصوم أن يفزع؟ أفهل له ذنوب يفزع بسببها؟ وفي الأثناء تتعرّض لبحث التعقّل والتدبّر واتّباع الأحسن عن طريق الفطرة المتاحة لجميع الناس.
ما معنى الفزع وكيف يتصوّر عند الإمام؟
13أفتدرون ما معنى ترك الأولى؟! يعني أنّا إذا قسّمنا الأحكام الإلهيّة إلى التكاليف الخمسة فسيكون منها الواجبات، وهذه لا بدّ من الإتيان بها، ومنها المحرّمات وهي التي نعاقب عليها بالضرب وأمثاله، أمّا لو قمنا بالمكروه فلا نعاقب، ولكنّا نُحرم من كثير من الإفاضات، ولو فعلنا المستحبّ فهناك نعمات وخيرات وبركات تصلنا، وهناك أشياء مباحة أي إنّ طرفيها متساويان لا يختلفان، لا يثاب على فعلها الإنسان ولا يعاقب على تركها. ومن الأمور التي هي أرفع من هذه التكاليف الخمسة الأولويّة، وهي أن يكون هناك أمر أولى من أمر آخر، وهي أدقّ من مسألة الاستحباب وأرقّ وألطف، ويمكن للإنسان أن يفعله وأن لا يفعله، غاية الأمر أنّه لو علم أنّ رضا المولى هو أكثر في واحد منهما فإنّه يفعله. فمن يصل إلى هذه المرتبة فإنّه قد تجاوز مراتب تلك التكاليف، ووصل إلى مقام لا يطلب فيه وجوده خلاف رضا الله.
فهذا البيان لمقام العلاّمة ينبغي أن يكون بيانًا مهمًّا جدًّا، ولكن عندما خرجنا التفت إليّ المرحوم العلاّمة ونحن في الزقاق وقال: أيّ بيان هذا لمقام العلاّمة الطباطبائي؟! ـ وقد كان العلاّمة الطباطبائي حينها على قيد الحياة، وكان ذلك في العهد السابق عهد الشاه، وكان عمري حينها قريبًا من السابعة عشرة أو الثامنة عشرة ـ لقد تجاوز العلاّمة الطباطبائي مرحلة ترك الأولى وأمثالها، فأين العلاّمة الطباطبائي وأين ترك الأولى؟! فهذا ليس بذلك التعبير الذي يقال في مدح شخصيّة كهذه وبيان مناقبها. فانظروا فهو في هذه المرتبة، فالحديث عن ترك الأولى هو للأعاظم والعلاّمة الطباطبائي أرفع من ذلك.
فإذا كان والدنا لا يرى الاتّصاف بترك الأولى مناسبًا للعلاّمة الطباطبائي فكيف بالإمام المعصوم والمطهّر بالإطلاق وصاحب مرتبة العصمة الكاملة المطلقة؟! فماذا فعل ذلك الإمام المعصوم حتّى يقول في النهاية: «إذا رأيت مولاي ذنوبي فزعت»؟ عندما أنظر يا مولاي إلى ذنوبي أستوحش. يقول ذلك والدموع تنهمر من عينيه، لا أنّه يبكي أمام آلة التصوير، كلاّ يا عزيزي ففي ذلك الزمان لم تكن هناك آلة تصوير، وفي ذلك الزمان لم يكن هناك أمثال آلات التسجيل هذه، لقد كان الإمام السجّاد يبكي هذا البكاء في الخلوة وفي ظلمات الليل وحيدًا ولم يكن يسمعه أحد. فأيّة حالة هذه التي تعتري الإمام عليه السلام؟ فإذا كان العلاّمة الطباطبائي ينبغي أن لا يوصف بترك الأولى فكيف يقول الإمام: إذا رأيت مولاي ذنوبي يرتجف بدني؟ فهذا هو معنى فزعت في النهاية، لا أنّي أخاف، ولا أنّي أقلق، بل تصيب بدني رجفة عندما أرى الذنوب التي صدرت عنّي، وإذا رأيت كرمك طمعت، ففي المقابل عندما تقع عيني على كرمك أصاب فجأة بحالة انبساط وحالة ابتهاج، آه لقد استرحت، آه يا إلهي لو لم يكن كرمك هذا ماذا كنت سأفعل؟! وبأيّة حالة كنت؟
