
أضواء على مسألة استجابة الله تعالى للدعاء
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان عدم الانفكاك بين الدعاء والإجابة، ثمّ تحدّث عن تثاقل الإنسان عن الاستجابة لدعوة الله تعالى، وبيّن كيف أنّ الله تعالى يستقرض عباده مع أنّه مالك لكلّ شيء، وذلك لكي يجذبهم إليه؛ مشيرًا إلى أهمّية الإنفاق باليد في سبيل الله تعالى، وأنّ هذا الإنفاق يحفظ المال، ولا يُعدمه؛ ثمّ ذكر أنّ باب الله مفتوح على الدوام، وأنّ العباد هم الذين يُعرضون عنه تعالى؛ ليختم كلامه بالحديث عن عِظم حلم الباري عزّ وجلّ في مقابل ذنوب العباد.
أضواء على مسألة استجابة الله تعالى للدعاء
2أعوذ بالله مِن الشّيطان الرّجيم
بسم الله الرّحمن الرّحيم
وصَلَّى اللَهُ على خيرِ خَلقِه وأشرفِ بريَّتِه محمّدٍ وآلِهِ الطيّبينَ الطّاهِرينَ
ولَعنةُ اللَهِ على أعدائِهِم أجمَعينَ
عدم الانفكاك بين الدعاء والإجابة
«الحَمدُ لِلهِ الذي أَدعُوهُ فَيُجيبُني، وإن كُنتُ بَطيئًا حِينَ يَدعُوني؛ والحَمدُ لِلهِ الذي أَساَلُهُ فَيُعطيني، وإن كُنتُ بَخيلاً حِينَ يَستَقرِضُني».
فنحن ندعو الله تعالى، وهو يُجيبنا؛ وبكلّ تأكيد، فإنّ دعاءنا تستتبعه إجابة الله تعالى؛ غاية الأمر أنّ درجة هذه الإجابة ترتبط بالمستوى من التحقّق والواقعيّة الذي يتّصف به دعاؤنا؛ بل إنّه لا انفكاك في الأساس بين الدعاء والإجابة، بحيث إذا دعا الإنسان الله تعالى ولم تتحقّق الاستجابة، فعليه أن يكتشف من ذلك أنّه لم يكن هناك دعاء بتاتًا!
﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾؛۱
وعليه، متى ما دعونا الله تعالى، فإنّ الإجابة ستعقبه بالضرورة؛ لكن، حينما يدعونا الله تعالى، هل تستتبع إجابُتنا دعوتَه مباشرةً، أم لا، فتجدنا نقول: آخ، يا ويلتاه، وكذا وكذا، لا توجد مصلحة وصلاح في هذا الأمر؟!
يقول عليه السلام: «الحمد مختصّ بالإله الذي أدعوه، وتتعقّب إجابتُه دعائي؛ ولو أنّني بطيء حينما يدعوني»؛ في حين أنّ الأمر ينبغي أن يكون بالعكس؛ إذ حينما يدعونا الله تعالى ـ وهو سلطان السلاطين، وملك الملوك، ومبدأ القدرة والحياة، وأمرُه ودعاؤه ودعوته ناشئين من المصلحة ـ ، فمن الواجب علينا أن نسرع بكلّ وجودنا لإجابته، ولا نتأخّر في ذلك، حذرًا من تكون هناك فاصلة بين هذه الدعوة، وبين استجابتنا، ولو بمقدار طرفة عين!
لكن، إذا دعونا الله تعالى، هل توجد أيّة ضرورة لكي يستجيب لنا؟! فأيّ حكم هذا حكمنا به على الله؟! وأيّ قانون هذا وضعناه في عالم التكوين، بحيث يُجبره تعالى على الإجابة ويُلزمه بها؟! في حين أنّنا موجودات ممكنة، وضعيفة، وفقيرة، وميّتة؛ والله تعالى يمتلك في مقابلنا الصفات الحُسنى والأسماء العُليا؛ وله الكبرياءُ والآلاء!٢
تتثاقل الإنسان عن الاستجابة لدعوة الله تعالى
لكنّ المسألة صارت بالعكس؛ فرحمة الله تعالى ولطفه ومودّته وإفاضة الفيض والجود منه قد بلغت حدًّا، بحيث متى ما دعوناه، فإنّه يُجيبنا مباشرةً؛ بينما وصل بطؤنا وتهاوننا وإهمالنا إلى درجة، بحيث حينما يدعونا تعالى أو يأمرنا أو ينهانا، فإنّنا نتثاقل عن إجابته! وكأنّنا نشكّ في الله، ولا نعدّ دعوته لنا مبنيّة على أساس ركيزة اليقين؛ فنقيس حينئذ هذه الدعوة إلى مصالحنا، ونقول: «هل تتوافق مع مصلحتنا، أو لا؟ هل علينا الاستجابة لدعوة الله، أم لا؟»؛ وفي هذه الحالة، إن كنّا من المؤمنين والمسلمين، واستجبنا له، فإنّنا نكون بطيئين ومتهاونين ومتثاقلين في الاستجابة؛ لكن، مع ذلك، فإنّه تعالى لا يتراجع عن فعله، بحيث متى ما دعوناه، فإنّه يُجيبنا مباشرةً؛ ثمّ ندعوه مرّة أخرى، فيُجيبنا مباشرةً؛ وحينما يدعونا هو، فإنّنا نتثاقل؛ ثمّ يدعونا ثانيةً، فنتثاقل!
- سورة البقرة، الآية ۱۸٦.
- الكافي، ج ٤، ص ۱٦۰: «يا إلهي، يا رحمنُ يا اللهُ، يا رحيمُ يا اللهُ، يا اللهُ يا اللهُ، لك الأسماءُ الحُسنى والأمثالُ العُليا والكبرياءُ والآلاءُ» (فقرة من دعاء الليلة الواحدة والعشرين من شهر رمضان).
