
السلوك الصحيح والسلوك الباطل
ميَّز سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه الزكيّة) هنا؛ بين المباني السلوكيّة الحقيقيّة المُوصلة للحقّ والمُورثة لليقين والاطمئنان، وبين المباني الواهية المُردية للسالك في وادي المهالك. فمَن عَرف الأُولى أدرك بطلان الثانية تلقائيًّا. فالمهمّ بالنسبة للسالك هو اليقين والبصيرة وسعة الإدراك والعمل بموجب ذلك، وهو ما سيُسأل عنه يوم القيامة. وحصول ذلك إنّما يكون بالتوجّه إلى الله وحده، وإعمال استعداداته وما وهبه الله إيّاه مِن عقل وفَهم. وبناء على ذلك، عليه أن يصحّح أفكاره وطريقة تفكيره، ويبحث عن المعرفة الحقيقيّة بالعِلم والمنطق والفلسفة والعرفان النظريّ، وأن يبحث عن السعادة الحقيقيّة وموطنها الحقيقيّ، ويلتزمَ بدساتير العظماء والاتّعاظ مِن سيرتهم، وأن يتعرّف على العيوب والأخطاء ويصلحها، ويزن الكلام ويعرضه على المعايير والفحص، ويجتنب النفسانيّات والمنامات والمكاشفات والأوهام والاعتباريّات والانفعالات والتصوّرات، وأن لا يُهمل الامتحانات الإلهيّة، وأن يُعرِض عن التعيّنات والتعلّقات الدنيويّة، مستعينا في ذلك كلّه بالفيض الإلهيّ وهو الإمام الحجّة عليه السلام. ففصّل سماحته في ذلك تارة وفي أضّادها تارة أخرى، مُبيّنًا المنافع والمهالك والأسباب والنتائج.
السلوك الصحيح والسلوك الباطل
الوصف:
ميَّز سماحة السيّد محمّد محسن الطهرانيّ (قدّس الله نفسه الزكيّة) هنا؛ بين المباني السلوكيّة الحقيقيّة المُوصلة للحقّ والمُورثة لليقين والاطمئنان، وبين المباني الواهية المُردية للسالك في وادي المهالك. فمَن عَرف الأُولى أدرك بطلان الثانية تلقائيًّا. فالمهمّ بالنسبة للسالك هو اليقين والبصيرة وسعة الإدراك والعمل بموجب ذلك، وهو ما سيُسأل عنه يوم القيامة. وحصول ذلك إنّما يكون بالتوجّه إلى الله وحده، وإعمال استعداداته وما وهبه الله إيّاه مِن عقل وفَهم. وبناء على ذلك، عليه أن يصحّح أفكاره وطريقة تفكيره، ويبحث عن المعرفة الحقيقيّة بالعِلم والمنطق والفلسفة والعرفان النظريّ، وأن يبحث عن السعادة الحقيقيّة وموطنها الحقيقيّ، ويلتزمَ بدساتير العظماء والاتّعاظ مِن سيرتهم، وأن يتعرّف على العيوب والأخطاء ويصلحها، ويزن الكلام ويعرضه على المعايير والفحص، ويجتنب النفسانيّات والمنامات والمكاشفات والأوهام والاعتباريّات والانفعالات والتصوّرات، وأن لا يُهمل الامتحانات الإلهيّة، وأن يُعرِض عن التعيّنات والتعلّقات الدنيويّة، مستعينا في ذلك كلّه بالفيض الإلهيّ وهو الإمام الحجّة عليه السلام. ففصّل سماحته في ذلك تارة وفي أضّادها تارة أخرى، مُبيّنًا المنافع والمهالك والأسباب والنتائج.
السلوك الصحيح والسلوك الباطل
7قال لي بعض الأصدقاء أنّه عندما كانت تحصل له لطافة روحيّة، كان يشعر بالحاجة للتقيّؤ عندما يخرج مِن منزله لشراء بعض الجبن مِنَ البقّال المجاور – إنّه أمر واقعيّ فلم يكن يمزح – وعندما يعود إلى المنزل يرجع إلى وضعه السابق، فما سبب ذلك.. أمّا بالنسبة لأمير المؤمنين، فتستطيعون أن تنسبوا هذه الحالة إليه بعد ضربها بألف أو بمليون ضعف. كان أمير المؤمنين يقول: إنّ حكومتكم هذه أهون عندي مِن عفطة عنز.۱وعلينا أن نقبل هذا الأمر مِن أمير المؤمنين ونصدّق به، فهو لم يُرِد الخلافة.
أنتم تتعجّبون الآن عندما ترون الناس يتنازعون على الحكومة، ونحن نشاهد هذا في وقتنا الراهن، فهل يُعتبر هؤلاء مِنَ العقلاء؟! ما الّذي يفعلونه؟! نحن لا نقول هنا بأن تحصل لنا حالة إعراض عن السلطة كحالة إعراض أمير المؤمنين عنها، ولكن لا أقلّ أن لا نكون مهتمّين كثيرًا بهذا الأمر، أي إن حصل أم لم يحصل فهو سواء. ولا نقول بأن تصيبنا حالة التقيّؤ مِنَ السلطة أو أن تكون عندنا بمثابة عفطة عنز – فهذه النظرة للدنيا خاصّة بأمير المؤمنين ولا نصيب لنا منها – ولكنّ أمير المؤمنين عليه السلام يقول «ألا وإنّكم لا تقدرون على ذلك» ولكن عليكم أن تتقدّموا خطوة في هذا الطريق «ولكن أعينوني بورع واجتهاد»٢ [أي لا أقّل] كونوا غير مهتمّين بأمور الدنيا، فإن حصل ذلك ستصبح الدنيا بستان زهور. نعم، عليكم ألّا تكونوا كأولئك الناس، بل كونوا مُعرضين عن الدنيا شيئًا ما؛ فإن قيل لأحدهم: لقد عيّناك في منصب رئيس الوزراء. فليقل: ما داموا قد فعلوا ذلك، فليكن ما أرادوه. وإن جاؤوا غدًا وقالوا له: لقد عيّنا رجلًا آخر مكانك. فعليه أن يقول: حسن جدًّا، فليستلم المنصب. وإن رجعوا في قرارهم وقالوا له في اليوم التالي: نستميحك عذرًا، ونرجوك أن تعود إلى منصبك مرّة أخرى. فليقل: أشكركم. ثمّ لو فرضنا أنّهم قالوا له بعد ذلك: ها قد وجدنا مَن هو أفضل منك ... لو كنّا على هذا النحو حقًّا، كيف ستصبح حال الدنيا عندها؟ لأصبحت حديقة زهور وجنّة. ولكن ما الّذي يحصل بالفعل؟ إنّا قد ضللنا الطريق، فجعلنا مِنَ الله وسيلة نتذرّع بها للوصول إلى أهوائنا النفسيّة وأمانينا الدنيويّة. لقد ولّى الزمان الّذي كانت تُستغلّ فيه بعض الوسائل لبلوغ تلك الأغراض، وأصبح الله هو الوسيلة هذه الأيّام، وأصبح الإسلام والتكليف الشرعيّ والمسؤوليّة [الإلهيّة] هي الوسيلة! ما هذا الّذي يحصل الآن؟! لقد أصبحت هذه الأدوات هي الوسيلة، فتراهم يقولون: إنّ التكليف الشرعيّ يحتّم علينا ذلك. يا للعجب! ولماذا لم تشعر بهذا التكليف إلّا الأمس؟! أشعرتَ به فقط في اليوم الّذي منحوك فيه منصبًا؟! لقد كنتَ حتّى هذه اللحظة مشغولًا بتأليف كتاب تتهجّم فيه على هذا الموضوع، أمّا الآن وقد أعطوك هذا المنصب، فهل ستطبع هذا الكتاب أم ستمتنع؟! [لا شكّ] أنّك ستقول حينها: ليس مِنَ المصلحة أن يُطبع! [أقول:] لماذا ليس ذلك مِنَ المصلحة؟! فإن كان الأمر الّذي كنتَ تنتقده بالأمس أمرًا باطلًا٣، فاطبع الكتاب ليطّلع الناس عليه، وإن لم يكن كذلك، فلماذا كنت تنوي نشره؟! وكيف بمجرد أن مُنحت منصبًا معينًّا، تبدّلت المصلحة إلى ضدّها، وتبدّل الباطل إلى خلافه، وما هو مخالف للقِيَم تبدّل إلى قِيَم؟! إنّ كل هذا عبارة عن تسويلات شيطانيّة، يسعى الشيطان مِن خلالها إلى إغواء الناس وخداعهم.
- بحار الأنوار للشيخ المجلسيّ، ط. مؤسسة الوفاء، ج ٢٩، ص ٥٤٤، مِن خطبة له تُعرف بالشقشقيّة قال فيها: «لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها، ولألفيتم دنياكم هذه أزهد عندي مِن عفطة عنز». (م)
- نهج البلاغة، تحقيق صبحي الصالح، ص٤۱۷، مِن خطبة له عليه السلام قال فيها: «أَلاَ وَإِنَّ لِکُلِّ مَأْمُومٍ إِمَاماً یَقْتَدِي بِهِ وَیَسْتَضِيءُ بِنُورِ عِلْمِهِ، أَلاَ وَإِنَّ إِمَامَکُمْ قَدِ اکْتَفَی مِنْ دُنْیَاهُ بِطِمْرَیْهِ وَمِنْ طُعْمِهِ بِقُرْصَیْهِ. أَلاَ وَإِنَّکُمْ لاَ تَقْدِرُونَ عَلَی ذَلِکَ وَلَکِنْ أَعِینُونِي بِوَرَعٍ وَاجْتِهَادٍ وَعِفَّهٍ وَسَدَادٍ». (م)
- مراد المحاضِر (قدّس الله نفسه)، ما يلي: يا فلان، إن كنت تعتقد ببطلان أمر ما وتنتقده في الأمس، وأردت أن تطبع كتابًا في هذا المجال، فلماذا عدلت عن ذلك اليوم. (م)
