
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
يجب على الإنسان أن يتيقّن مِن صحّة الطريق، وذلك بإعمال الدليل والعقل وتحكيم الفطرة الصالحة، وهي الوسائط الّتي طالما اعتمدها الأنبياء والأئمّة والأوصياء والأولياء، وهي حلقة الوصل بين الإنسان وربّه. ثمّ يجب الثبات والاستقامة على الطريق. وثالثًا يجب اختبار النفس في تقدّمها وتأخّرها وتخلّصها مِن شعورها بمحوريّتها وأنانيّتها، وذلك بقياسِ ومقارنةِ حالاتها السابقة باللاحقة. ومِن جملة الشواهد الموضوعيّة على ذلك، ما ورد تحت العناوين التالية؛ محاكمة عقليّة لأهل السنّة – الأولياء يوسّطون العقل (قصتا الكرمنشاهيّ والشهيد مطهّري) – الحكمة والفلسفة تُعينان في الطريق – مفارقة ملفتة بين زمن النبيّ وزمن أبي بكر – مرتبة التكامل تتوقّف على الخلوص والامتثال.
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
الوصف:
يجب على الإنسان أن يتيقّن مِن صحّة الطريق، وذلك بإعمال الدليل والعقل وتحكيم الفطرة الصالحة، وهي الوسائط الّتي طالما اعتمدها الأنبياء والأئمّة والأوصياء والأولياء، وهي حلقة الوصل بين الإنسان وربّه. ثمّ يجب الثبات والاستقامة على الطريق. وثالثًا يجب اختبار النفس في تقدّمها وتأخّرها وتخلّصها مِن شعورها بمحوريّتها وأنانيّتها، وذلك بقياسِ ومقارنةِ حالاتها السابقة باللاحقة. ومِن جملة الشواهد الموضوعيّة على ذلك، ما ورد تحت العناوين التالية؛ محاكمة عقليّة لأهل السنّة – الأولياء يوسّطون العقل (قصتا الكرمنشاهيّ والشهيد مطهّري) – الحكمة والفلسفة تُعينان في الطريق – مفارقة ملفتة بين زمن النبيّ وزمن أبي بكر – مرتبة التكامل تتوقّف على الخلوص والامتثال.
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
5العقل والدليل هما الحلقة الرابطة بين الناس والله تعالى
إنّ الحديث يدور هنا حول الحلقة الرابطة بين الفرد الكامل والفرد الناقص، وهي الحلقة الّتي تُحقّق الاتصال بينهما، ولولاها لَما تمّ هذا الاتّصال أبدًا. فما هي هذه الحلقة؟ إنّها عبارة عن العقل والفطرة والمواهب الإلهيّة المُودعة في الإنسان؛ هذه هي الحلقة الرابطة الّتي إن وُجِدت في الإنسان، لمكّنته مِنَ الوصول إلى الكمال، وإلّا، فلا عمل للأنبياء مع المجانين، لأنّ وضعهم مشخّص، فلا تكليف عليهم، والله يتعامل معهم بشكل آخر، وكذلك الأمر بالنسبة إلى السفهاء الّذين ليس لهم نصيبٌ كافٍ مِنَ العقل والقابليّة للرشد، وكذلك الّذين يولدون حاملين صفات أخرى [غير اعتياديّة]، فلكلّ واحد مِن هؤلاء حسابه وكتابه الخاصّ به، ولا عِلم لنا بما سيجري عليهم. فبحثنا يتعلّق بالّذين يخاطبهم الأنبياء والأئمّة، فمَن هم هؤلاء؟ إنّهم الّذين يمتلكون العقل والفطرة، أليس كذلك! أم هناك أمر آخر في القضيّة!
إنّ الفطرة هي الكيفيّة الّتي خُلقت عليها النفس الإنسانيّة، وهي الّتي تساعدها للوصول إلى الكمال، فيستفيد منها الإنسان للوصول إلى تلك النقطة مِنَ الكمال. لاحظوا هنا، إنّ الإنسان يرى في ضميره وقرارة نفسه قُبح الكذب وحُسن الصدق، فأين تكمُن مسألة قبح الكذب وحُسن الصدق هذه، أين هو مكانها في وجودنا؟ إنّها موجودة في أنفسنا. فإن التقيتَ بشخص وسمعت منه كذبة، فستتّخذ نفسك موقفًا اتّجاهه، لماذا؟ لأنّك لا تستحسن هذا الأمر، وإن سمع أحدهم منك كذبة، فستحصل في نفسه ردّة فعل اتجاهك وسينفر منك. وردّة الفعل هذه مِن حقّ الإنسان، لأنّ الحقّ مجبول بنفسه ووجوده.
قد أودع الله هذه الحقيقة في نفس الإنسان، لكي يستطيع بواسطتها أن يُوصل نفسه غير الكاملة إلى مرحلة الكمال. فلو لم يكن الأمر بهذا الشكل – عليكم أن تركّزوا على هذه الجملة وتقيسوا عليها سائر المسائل الفطريّة – وأخذت كلّ قضية مكان الأخرى، لاستحسنت فطرةُ الإنسان الكذبَ ورأته أمرًا صحيحًا وراقيًا، ولَمَقَتَتْ الصدق؛ فما الّذي سيحصل عندئذ؟!
محاكمة عقليّة لأهل السنّة
قلتُ بالأمس في بحث الولاية إنّ أهل السنّة يقولون بخلافة أبي بكر بعد رسول الله، إذ قاموا بانتخابه خليفة لهم. [أقول:] حسنًا ... إنّ النبيّ قال في حقّ أمير المؤمنين ما قاله، وكلماته تلك موجودة في كتبكم، فهي موجودة في كتب البلاذري والسبط بن الجوزي والسيوطيّ وابن أبي الحديد – وكتبهم مشحونة بمثل هذه الأحاديث – هؤلاء علماؤكم. فها نحن نرى قول النبيّ بحقّ أمير المؤمنين عليه السلام «أقضاكم علِيّ» و «علِيٌّ أعلمكم»،۱ أي إنّ علِيّا هو أعلمكم جميعًا، فكلّ سؤال أستطيع أن أجيب عليه، فعلِيٌّ يستطيع الإجابة عليه – هذا الكلام موجود في كتبكم – وقال النبيّ «أنا مدينة العلم وعلِيٌّ بابها»٢، وقال «عليٌّ أتقاكم»، أي لو جُمع تقوى الجميع، لَمَا وصلت إلى درجة تقوى علِيّ. كلّ ذلك ممّا قاله النبيّ، فكيف للمرء أن يشكّ أحيانًا بتلك الروايات، والحال أنّه لا يمكن الشكّ فيها!! ومِن أمثال تلك الروايات، ما ورد عن النبيّ في حرب خيبر حيث قال «لولا مخافتي أن يقال فيك يا علِيّ ما قالته النصارى في عيسى بن مريم، لقلتُ فيك مقالًا، لا تمرّ على أحد حتّى يأخذ التراب مِن تحت قدميك»٣، أي إنّهم سيتكحّلون بالتراب الّذي تحت قدميك. ما الّذي يعنيه هذا؟ أنا لا أستطيع أن أقول شيئًا هنا، ففي الأمر صعوبة، ولكن بما أنّ النبيّ قد أشار إلى هذا الموضوع، فأقول: إنّ النصارى قالت أنّ عيسى بن مريم هو الله، فالنبيّ يريد أن يقول هنا: قد وصل علِيّ إلى درجة مِنَ الفناء لم يبق له فيها أيّ وجود بشريّ، غير أنّ هذه الحقيقة لا يمكن أن يُباح بها للناس، فلو قلتُ ذلك، لقالتْ جماعة مِنَ الناس بألوهيّة علِيّ.. فمِن أين جاء أولئك الغلاة! فبالرغم مِن أنّ النبيّ لم يقل شيئًا بحقّ عليٍّ [يوجب الغلوّ فيه]، إلّا أنّه قد ظهرت تلك الفِرق [المغالية]، فكيف لو صرّح النبيّ [بالمراتب العالية الّتي بلغها الإمام علِيّ]؟!
- راجع (الفصول المهمّة في معرفة الأئمّة) لابن الصبّاغ، ج۱، ص ۱٩٥، مع التخريجات الواردة فيه. (م)
- راجع كتاب (معرفة الإمام) لسماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج ۱۱، ص ٥٣. (م)
- جاء في كتاب (معرفة الإمام) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ج٤، ص٢٣، ما يلي: قال القندوزيّ الحنفيّ: وفي (المناقب) عن الحسن بن علِيّ بن محمّد بن جعفر الصادق بن محمّد الباقر، عن آبائه، عن أمير المؤمنين علِيّ بن أبي طالب عليهم السلام قال: إنّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيهِ [وَآلِهِ] وَسَلَّمَ نَظَرَ إلَيّ وَأنَا مُقْبِلٌ وَأصْحَابُهُ حَوْلَهُ وَقَالَ لِي: أمَا أنّ فِيكَ شِبْهًا مِنْ عيسى ابْنِ مَرْيَمَ، وَلَوْلَا مَخَافَةَ أنْ يَقُولَ فِيكَ طَوائِفُ مِنْ أمّتي ما قَالَتِ النَّصارى في عيسى ابْنِ مَرْيَمَ لَقُلْتُ فِيكَ مَقالًا لا تَمُرُّ بِمَلأ مِنَ النّاسِ إلّا أخَذُوا التُّرابَ مِنْ تَحْتِ قَدَمَيْكَ يَبْغُونَ فِيهِ الْبَرْكَةَ وَيَسْتَشْفُونَ بِهِ. (م)
