
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
يجب على الإنسان أن يتيقّن مِن صحّة الطريق، وذلك بإعمال الدليل والعقل وتحكيم الفطرة الصالحة، وهي الوسائط الّتي طالما اعتمدها الأنبياء والأئمّة والأوصياء والأولياء، وهي حلقة الوصل بين الإنسان وربّه. ثمّ يجب الثبات والاستقامة على الطريق. وثالثًا يجب اختبار النفس في تقدّمها وتأخّرها وتخلّصها مِن شعورها بمحوريّتها وأنانيّتها، وذلك بقياسِ ومقارنةِ حالاتها السابقة باللاحقة. ومِن جملة الشواهد الموضوعيّة على ذلك، ما ورد تحت العناوين التالية؛ محاكمة عقليّة لأهل السنّة – الأولياء يوسّطون العقل (قصتا الكرمنشاهيّ والشهيد مطهّري) – الحكمة والفلسفة تُعينان في الطريق – مفارقة ملفتة بين زمن النبيّ وزمن أبي بكر – مرتبة التكامل تتوقّف على الخلوص والامتثال.
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
8قال المرحوم العلّامة: كان هنالك رجل أسود البشرة، عندما كان ينظر في المرآة ويرى سواد وجهه يضرب المرآة بحجرٍ فيكسرها، وهو يقول: يا لها مِن مرآة قبيحة، فهذا ليس شكلي الحقيقيّ. ثمّ يذهب ويشتري مرآةً أخرى وينظر فيها ثانيةً، فيرى فيها سواد وجهه مرّة أخرى، فيضربها بحجر ويكسرها هي الأخرى. فيقول المرحوم العلّامة: لو أنّك اشتريت ألف مرآة سوف تكسرها جميعها، عليك أن تعمل على تبييض وجهك، فلا ذنب للمرآة ولا هو تقصيرها، فهي تُريك عيوبك وتقول لك: اذهب وأصلح نفسك. هذه هي ميزة المرآة؛ فلو أرتك المرآةُ أنّ وجهك أبيض، فسيُبقيك هذا الأمر في السواد طوال عمرك، وأنت تظنّ نفسك أبيض، فكمال المرآة في إظهارها لعيوبك، وذلك لأجل أن تُصلح نفسك، فتذهب إلى الحمّام لتزيل الأوساخ عن وجهك، هذه هي ميزة المرآة.
ثمّ قلتُ [لقريبي ذاك]: انظر إلى ما ذكره المرحوم العلّامة في كتاب (الروح المجرّد) عن السيّد إبراهيم الكرمنشاهيّ حفظه الله تعالى – الّذي لا يزال على قيد الحياة ويعيش الآن في طهران، ووجوده شرفٌ كبير جدًّا والأهالي يستفيدون منه – عندما أراد المرحوم العلّامة أن يُعرّف له السيّد الحدّاد، فقد ورد معه مِن هذا الباب، مستفيدًا مِنَ الحلقة الرابطة هذه، فما هي هذه الحلقة الرابطة؟ إنّها العقل والفطرة؛ قال السيّد إبراهيم الكرمنشاهيّ: كيف أعرف أنّه مطّلع على الأمور؟ فبم أجابه المرحوم العلّامة هنا، هل قال له مثلًا: اعتمد على ما ستراه في المنام؟! هل ذكر في كتابه أنّه طلب منه أن ينتظر منامًا أو مكاشفة؟! [فلو قال له ذلك] فقد يُجيبه الرجل: أنا لست مِن أهل المكاشفات، فعلَيّ أن أنتظر حتّى تحصل لي مكاشفة، إذ المنام والمكاشفة ليسا بيدي، فسأصبر وأنتظر، فمتى ما حصل لي منام أو مكاشفة سأذهب إليه! ولكن ما الّذي قاله [العلّامة] له؟ إنّه قال: عليك أن تستثمر عقلك وفطرتك، فاختبره بنفسك، اذهب واجلس وتحدّث معه. لا أنّه رفع العصا بوجهه قائلًا: إمّا أن تقبل به، وإلّا سأفعل بك كذا وكذا. بل قال له: ها هو السيّد الحدّاد أمامك فاختبره.۱ وبهذا يكون المرحوم العلّامة قد وضع حلقة [الوصل] هذه في الوسط قائلًا: عليك أن ترِد الميدان مِن هذا الباب، وهو نفس الباب الّذي ورد منه الأنبياء والأئمّة. نعم، قد قال للسيّد الكرمانشاهيّ هذا الكلام: عليك أن تعتمد هذا الطريق، فاذهب واختبره. ألا تعتمدون أنتم نفس هذا الطريق في اختيار الأستاذ الّذي تدرسون عنده دروسكم الحوزويّة، ألا تختبرونه بأنفسكم؟
- الروح المجرّد، سماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ، ص۱٢٩. (م)
