
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
يجب على الإنسان أن يتيقّن مِن صحّة الطريق، وذلك بإعمال الدليل والعقل وتحكيم الفطرة الصالحة، وهي الوسائط الّتي طالما اعتمدها الأنبياء والأئمّة والأوصياء والأولياء، وهي حلقة الوصل بين الإنسان وربّه. ثمّ يجب الثبات والاستقامة على الطريق. وثالثًا يجب اختبار النفس في تقدّمها وتأخّرها وتخلّصها مِن شعورها بمحوريّتها وأنانيّتها، وذلك بقياسِ ومقارنةِ حالاتها السابقة باللاحقة. ومِن جملة الشواهد الموضوعيّة على ذلك، ما ورد تحت العناوين التالية؛ محاكمة عقليّة لأهل السنّة – الأولياء يوسّطون العقل (قصتا الكرمنشاهيّ والشهيد مطهّري) – الحكمة والفلسفة تُعينان في الطريق – مفارقة ملفتة بين زمن النبيّ وزمن أبي بكر – مرتبة التكامل تتوقّف على الخلوص والامتثال.
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
3تجد بعض الأمور غير الوجيهة طريقًا إلى الملاكات، فتسبّب الخلط والاشتباه؛ كمَن يعتبر المنام مِنَ الملاكات، ويعتبر أنّ الأفكار والتخيّلات أو المكاشفات أو الواردات أو ميل الإنسان لحدث معيّن وعدم ميله لآخر، مِنَ الملاكات! ونحن نرى رواجًا لهذه الأشياء بين الفِرق والفئات المتخالفة، ونلاحظ هذه الأمور في الأحداث السياسيّة، وهي موجودة في المحافل والجموع غير الإسلاميّة أيضًا، وأنتم ترون أنّ أفراد هذه الفِرق مؤمنون بعقيدتهم وثابتون عليها ويدافعون عنها دفاعًا مستميتًا. فإنّ كلّ ذلك ناشئ مِن نسيان الأصول والمبادئ الأوّلية، فهم قد بنوا عقائدهم على أساس مجموعة مِنَ التخيّلات والأفكار غير الصحيحة. وبميل الإنسان إلى جهة معيّنة، يمكنه طبعًا أن يبتعد عن التفكير الصحيح، فتأخذه هذه الجهة معها وتبتلعه، بحيث لا يستطيع أيّ منطق بعد ذلك ولا كلام ولا دليل أن يُخرجه ممّا وقع فيه، والسبب في ذلك كلّه يعود إلى الخطأ الّذي حصل منذ البداية.
غير أنّ يقين الإنسان بالطريق الّذي يسلكه – كما أوضحت سابقًا – إنّما يحصل بالدليل والحجّة، وهي عبارة عن أشياء مشخّصة، ولم تكن مِن بنات أفكاره. فالحجج والأدلّة الّتي يأتي بها العقلاء والعظماء والأنبياء والأئمّة والأولياء هي حجج بيّنة، فإنّ الأدلّة والحجج الّتي يتوسّلون بها لإثبات صحّة مسيرهم، هي مِن قبيل ما نشاهده الآن بأنفسنا وما تدركه عقولنا، فهم لم يأتوا الناس بدليل غير تلك الأدلّة الّتي ندركها بأنفسنا.
إنّ أُولى المسائل الاعتقاديّة هي الإيمان بالألوهيّة والمعارف الإلهيّة، وهذه الأمور مبنيّة على العقل، أليس كذلك؟ لذا كان الأنبياء يخاطبون عقول الناس، ليُدركوا مسألة الألوهيّة والتوحيد، ولم يدخلوا الميدان مِن باب المنامات والمكاشفات، عند إلقاء المطالب والوحي على الناس. نعم، لم يدعوا الناس مِن باب الإجبار وتحميل العقائد [بالقوّة]؛ أين رأيتم مثل هذا الشيء! أين وجدتم أنّ الأنبياء يدعون الناس للإيمان بطُرق وأساليب غير متعارفة وخارقة للعادة! فلو كان الأمر كذلك، لَمَا حصلت كلّ تلك النزاعات مع الأنبياء، إذ كان بإمكان نبيّ الله نوح عليه السلام أن يُلقي التوحيد والمعارف الإلهيّة على الناس بإرادة وولاية إلهيّة واحدة؛ جاء في الآية الشريفة {فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عامًا}۱.
- سورة العنكبوت، جزء مِنَ الآية ۱٤.
