
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
يجب على الإنسان أن يتيقّن مِن صحّة الطريق، وذلك بإعمال الدليل والعقل وتحكيم الفطرة الصالحة، وهي الوسائط الّتي طالما اعتمدها الأنبياء والأئمّة والأوصياء والأولياء، وهي حلقة الوصل بين الإنسان وربّه. ثمّ يجب الثبات والاستقامة على الطريق. وثالثًا يجب اختبار النفس في تقدّمها وتأخّرها وتخلّصها مِن شعورها بمحوريّتها وأنانيّتها، وذلك بقياسِ ومقارنةِ حالاتها السابقة باللاحقة. ومِن جملة الشواهد الموضوعيّة على ذلك، ما ورد تحت العناوين التالية؛ محاكمة عقليّة لأهل السنّة – الأولياء يوسّطون العقل (قصتا الكرمنشاهيّ والشهيد مطهّري) – الحكمة والفلسفة تُعينان في الطريق – مفارقة ملفتة بين زمن النبيّ وزمن أبي بكر – مرتبة التكامل تتوقّف على الخلوص والامتثال.
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
15إنّ مثل هذه الأمور تحصل دائمًا، وهي لم تحصل في عهد النبيّ فقط، بل كانت تحصل حتّى قبل زمانه وحصلت بعده، وهي تحصل في زماننا هذا. نعم، فهناك مؤامرة تُحاك الآن أيضًا [كما كانت في الأزمنة السابقة]. فعندما نريد في زماننا هذا أن نُقدم على عمل ما، نرى كيف تتحرّك الأمور مِن هذا الجانب وذاك، فنقول حينها: ها قد بدؤوا بتحرّكاتهم. فإن تبدّل الوضع وأخذت الأحداث شكلًا آخر، ينتهي كلامهم ذاك، ويصبح الجميع مِنَ الأوفياء والمسَلِّمين والراضين، وينتهي كلّ شيء! على الإنسان أن يُصلح هذا الجانب في حياته ويهتمّ به.
إنّ ما ذكرته هذا اليوم، سيكون بمشيئة الله بمثابة المقدّمة لموضوع آخر وأساسيّ، وهو: لماذا يحصل للإنسان ما يحصل، ولماذا يتغيّر حاله؟
اللهمّ صلّ على محمّد وآلِ محمّد
يتوقّف التكامل على الخلوص والامتثال
سؤال: قلتم في المجلس السابق ما معناه: إنّ الرجل والمرأة يطيران معًا، وهما بمثابة روح واحدة في جسمين، فلماذا نجد الرجل أحيانًا يصل إلى مقام الولاية، والحال أنّ زوجته تراوح مكانها، أو العكس، فما هو السبب الكامن وراء ذلك؟
جواب سماحة السيّد: إنّ أصل القضيّة – كما قلتُ لكم سابقًا – هو أنّ لكلّ شخص حكمه الخاصّ به، فعلى الرغم مِن اشتراك الرجل والمرأة في حياتهما اليوميّة، غير أنّه يمكن أن يكون ارتباط كلّ منهما مع الله متفاوتًا مِن حيث خلوص النيّة وأداء التكاليف. إنّ آسيا كانت امرأة فرعون، وقد وصلت إلى درجة الكمال وهي في قصر فرعون نفسه۱، في الوقت الّذي هلك فيه ابن نوح رغم أنّه نشأ في تلك العائلة٢. فهذا الأمر لا يختصّ بالأناس العاديّين فقط، بل هو موجود في عائلات الأئمّة أيضًا؛ فها نحن نرى كيف أنّ استشهاد الإمام الحسن عليه السلام قد حصل على يد زوجته٣، في الوقت الّذي نرى الرّباب زوجة سيّد الشهداء قد بقيت في كربلاء بعد استشهاد الإمام الحسين عليه السلام، وقد قالت: لن أبرح كربلاء، ولن أذهب إلى المدينة. فبقيت سنة هناك حتّى توفّيت٤.
إنّ للأئمّة عليهم السلام حالات متفاوتة، ولأولادهم حالات متفاوتة، فالكثير مِنَ المشاكل الّتي حصلت للأئمّة في حياتهم، كانت مِن قِبَل أقربائهم المقرّبين؛ الله أعلم ما كان يعانيه الإمام الصادق عليه السلام مِن بني أعمامه مِن أبناء الحسن [عليه السلام]، كإبراهيم ومحمّد ابنَا عبد الله المحض، كما أنّ شهادة الإمام الباقر عليه السلام كانت بسبب بني أعمامه.٥ إنّ إخوة الإمام الرضا عليه السلام وأعمامه جرّوا الإمام إلى محكمة المدينة، واشتكوا عليه عند حاكمها الّذي عيّنه الخليفة العباسيّ.٦ كما أنّ [عمّ] الإمام [المهدي] أنكر إمامة إمام الزمان وادّعى خلافة الإمام العسكريّ۷.. فتلك الأمور كانت تحصل في أواسط عائلات الأئمّة أيضًا، فالقرابة والاشتراك في النسب لا يدلّان على ضرورة وحدة المسير، وتلك سُنّة إلهيّة تُرينا أنّ الله تعالى لا يفرّق في تحقيق عدالته بين أقرباء الأئمّة وبين غيرهم مِنَ الناس؛ فكلّ مَن سار على الطريق لَحِق، ومَن لم يسر على الطريق أُبعِد.
- قال تعالى في سورة التحريم الآية۱۱: {وَضَرَبَ اللهُ مَثَلًا لِلَّذِينَ آَمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}. (م)
- قال تعالى في سورة هود الآيتان ٤٥ و٤٦: {وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ}. (م)
- هي جعدة بنت الأشعث بن قيس الكنديّ، وأمّها أم فروة العمياء أخت أبي بكر وابنة عمّة عائشة. وروى الكلينيّ في (الكافي)، ط. دار الحديث، ج۱٥، ص٣٩٩: عن الإمام الصادق عليه السلام، قال: إنّ الأشعث بن قيس شرِك في دم أمير المؤمنين عليه السلام، وابنته جعدة سمَّت الحسن عليه السلام، ومحمّد ابنه شرِك في دم الحسين عليه السلام. وللمزيد حول أحداث استشهاد الإمام الحسن عليه السلام على يد زوجته جعدة، أنظر المصادر المخرّجة في كتاب (معرفة الإمام) للعلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ ج۱٦و۱۷، ص۱٣٣، الهامش۱. (م)
- راجع حول ذلك كتاب (معرفة الإمام) لسماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه)، ج۱٥، ص٢۷٥. وحول قصّة زواجهما طرف لطيف أورده السيّد العلّامة في المصدر نفسه ص ٢۷۰. (م)
- راجع حول ذلك المصدر نفسه، ج۱٥، ص۱٩۷. (م)
- راجع حول ذلك كتاب (الروح المجرّد) لسماحة العلّامة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ (قدّس الله سرّه)، ص٢٣٤. (م)
- راجع حول ذلك كتاب (الثاقب في المناقب) لابن حمزة الطوسيّ، ص٦۰۷؛ وكتاب (بحار الأنوار) للشيخ المجلسي، ط. دار إحياء التراث العربي، ج٥۰، ص٣٣٢، ج٥٢، ص٦۷. (م)
