
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
يجب على الإنسان أن يتيقّن مِن صحّة الطريق، وذلك بإعمال الدليل والعقل وتحكيم الفطرة الصالحة، وهي الوسائط الّتي طالما اعتمدها الأنبياء والأئمّة والأوصياء والأولياء، وهي حلقة الوصل بين الإنسان وربّه. ثمّ يجب الثبات والاستقامة على الطريق. وثالثًا يجب اختبار النفس في تقدّمها وتأخّرها وتخلّصها مِن شعورها بمحوريّتها وأنانيّتها، وذلك بقياسِ ومقارنةِ حالاتها السابقة باللاحقة. ومِن جملة الشواهد الموضوعيّة على ذلك، ما ورد تحت العناوين التالية؛ محاكمة عقليّة لأهل السنّة – الأولياء يوسّطون العقل (قصتا الكرمنشاهيّ والشهيد مطهّري) – الحكمة والفلسفة تُعينان في الطريق – مفارقة ملفتة بين زمن النبيّ وزمن أبي بكر – مرتبة التكامل تتوقّف على الخلوص والامتثال.
الدليل والفطرة ملاكا صحّة الطريق
13محوريّة النفس آفّة يجب التخلّص منها
الكلام يدور هنا حول ما إن كانت النفس لا تزال في مرتبة النفس ومرتبة التعلّق بذاتها؛ فهذا التعلّق يعني أنّها ترى نفسها هي الأصل والمحور، وأنّ الآخرين تابعين لها. كثيرًا ما يجري على ألسنتنا كلامًا مِثل: إنّنا نراعي الآخرين كثيرًا، ونحسب لهم حسابهم، ونُعطي كلّ ذي حقّ حقّه. نعم، هذا الكلام يصدر منّا، بل لعلّنا نعتقد في حاقّ ضميرنا أننّا محقّين بما نحكم به، غير أنّه إن كان لدينا مزيد مِنَ الإنصاف، وكنّا لا نحيد عن جادّة الصواب كثيرًا، سنرى أنّ ما نفعله لا يخرج عن محور النفس، فجميع أو أغلب ما نقوم به متمركز حول محوريّة النفس؛ فترانا إن مالت النفس نحو جهة مِنَ الجهات، نوجّه كلّ ما نقوم به ليتناسب مع تلك الجهة، وإن مالت نحو جهة أخرى تنحرف كافّة أحكامنا مئة وثمانين درجة [لتتناسب مع الجهة الأخرى]؛ وذلك لأنّ النفس تضع كلّ ما تملكه مِن قِوى ومواهب إلهيّة تحت تصرّفها وتسخّر كلّ ذلك لذاتها ومِن أجل مصالحها وكيانها.
كان يكرّر المرحوم العلّامة نقل هذه المسألة: إنّ أغلب الّذين ألّفوا كُتبًا في القضاء والحُكم – يُلاحظ هنا أنّه قال أغلبهم ولم يقل جميعهم فلعلّ مِنهم [مَن لم يكن كذلك] – هم مِنَ المتصدّين لهذه الأمور، وأغلب الّذين كتبوا في القضاء ووقفوا بوجه تصدّي الروحانيّين۱ للقضاء تمّ إقصاؤهم مِنَ القضاء. ويَنقل قضيّةً طريفةً جدًّا، لعلّي نقلتها لكم سابقًا، يقول فيها: يوجد في قزوين، في منطقة شاه زاده حسين، قبرٌ لشخص يُسمّى بالشهيد الثالث، وهو الآخوند الملّا محمّد تقي برقاني، الّذي قتلته الفرقة البابيّة والبهائيّة في فتنة البابيّة الّتي حصلت في عهد ناصر الدين شاه، ويبدو أنّ هذا الأخير قد قُتل على يد عمّه، وقُرّة العين [امرأةٌ] معروفة في زمن البابيّة والبهائيّة ذاك. فبينما كان [الملّا محمّد تقي] في طريقه إلى المسجد لأداء صلاة الصبح هجموا عليه وقتلوه في الحال.
كان أحد العلماء يقيم صلاة الجمعة في المسجد الجامع لمدينة قزوين في أيّام الجُمع، وكان الآخوند الملّا محمّد تقي البرقاني يعارضه بشدّة ويتهجّم عليه في خطاباته ويقول: إنّ صلاة الجمعة مختصّة بزمن رسول الله، ولا يجوز إقامتها في هذا العصر. وكان يُكثر الحديث في هذا الشأن، ويخالف ذلك العالِم بشدّة. وفي إحدى المّرات الّتي ذهب فيها إمام الجمعة هذا إلى طهران لمدّة أسبوع، استغلّ الرجل هذه الفرصة، وأقام صلاة الجمعة بدلًا عنه، وعندما عاد الرجل مِن طهران وجد أنّ الملّا محمّد تقي قد أقام صلاة الجمعة، واستمرّ على ذلك. فقال ذلك العالِم: أنا متعجّب كيف تبدّل حكم شرعيّ مئة وثمانين درجة بمجرد ذهابي إلى طهران وعودتي منها. هل لاحظتم! إنّ هذا مجرد مثال واحد.
- مصطلح الروحانيّ يطلق في اللغة الفارسيّة على طلبة العلوم الدينيّة عادةً. (م)
