
أجر الأنبياء انفتاح طريق الناس إلى الله
هل يتّصف أنبياء الله وأولياؤه بالجود والكرم الإلهيّ أيضًا؟ وكيف يظهر ذلك في منهجهم في الدعوة إلى الله؟ وما هي الأجواء التي تسيطر على مجالسهم وعلاقاتهم مع المحيطين بهم؟ وما هو محور دعوتهم والفرق بينهم وبين أهل الدنيا في ذلك؟
أجر الأنبياء انفتاح طريق الناس إلى الله
3إنّها العظمة والجود والعطاء التي يعرفها العبد من الله هي التي تؤدّي إلى التساهل في ذلك العمل الذي قام به، وفي مستوى القبح المترتّب على العمل، وتؤدّي إلى أن لا يتشدّد، وهذا بصورة عامّة هو دأب جميع الأولياء، دأب جميع الأولياء، فقد كنت ذات ليلة في خدمة السيّد هاشم الحدّاد رضوان الله عليه فحدث أمر ما للمرحوم العلاّمة وكان يطرح تلك المسألة ويبيّن الطريق الصحيح فيها، فقال السيّد الحدّاد لاحقًا ضمن كلامه إنّ دأب الأعاظم هو أنّهم:
داند و خر را همی راند خموش *** ... يقول: يعلم ولكن يتظاهر بالجهل
فقد كان السيّد الحدّاد يحفظ كثيرًا من شعر مولانا ويستشهد به.
داند و خر را همیراند خموش *** بر رخت خندد برای روی پوش يعلم ويتظاهر بالجهل *** يضحك في وجهك لكي يخفي
فهل رأيتم أحيانًا ـ خصوصًا الرفقاء الذي عاشروا المرحوم العلاّمة ـ فقد كانوا يذهبون أحيانًا إليه فيبتسم ابتسامة، وفيها ألف رسالة تلك الابتسامة أن كيف حالك؟ وفّقك الله أيّدك الله. يكون الإنسان خائفًا من أن يواجهه علنًا، وطبعًا أحيانًا كان يواجه علنًا ولكن ليس هكذا. يكون الإنسان خائفًا أن يخرج السجلّ من مكانه وأن يريه الأوراق واحدة تلو الأخرى، ولكنّه كان يكتفي بابتسامة، ورفقاؤنا يذكرون هذا الأسلوب من الأعاظم، وقد علّمونا هذه الطريقة، طريقة:
داند و خر را همیراند خموش *** بر رخت خندد برای روی پوش يقول: يعلم ويتظاهر بالجهل *** يضحك لك لكي يخفي
فهذه الضحكات لها معان كثيرة، يضحك للتمويه، التمويه، يأتي الإنسان فإمّا أن السيّد لم يلتفت وكان في العوالم العليا ولم يتنزّل كثيرًا كي يدرك، أو أنّه عفا والحمد لله فلم نخضع للتحقيق، ولكنّ هذا المسكين لا يدري أنّ للتحقيق قيمة لا بدّ أن يهتمّ بها الإنسان، وأنّ هذه الضحكات ليست دائمًا إيجابيّة.
على أيّ حال ماذا كنت أريد أن أقول؟ وصلنا الليلة الماضية في تتمّة حديثنا مع الرفقاء والأصدقاء إلى أنّ منهج وطريقة الأنبياء كانت أنّهم يرون انفتاح الطريق إلى الله أجرًا على رسالتهم، ولم يكونوا يأخذون شيئًا لأنفسهم، حتّى أنّا قلنا: لو جاء أحد إلى رسول الله أو إلى أحد الأنبياء وقال له: أنا أعيش في ذاك المكان فأعطني برنامجًا لآخذه وأرجع، كان يقول له: تعال وخذ هذا برنامجك، اعمل به ولتكن عباداتك هكذا ومعاملاتك هكذا، وأخذك وعطاؤك هكذا وسلوكك هكذا وأخلاقيّاتك هكذا، فخذه وانطلق، وإن لزم الأمر كان يقول له: لا داعي لأن تراني إن لم يكن هناك داع ولزوم، كان يقول: اذهب ولا تلتق بي. ألم يكن للمرحوم العلاّمة في أقاصي الأرض تلامذة؟! لقد كنت في أجواء أموره ورسائله، والرسائل التي كان يرسلها إلى هذا الجانب وذاك، فقد كان له تلامذة في البلدان، له تلامذة في أغلب البلدان ولا أحد حتّى الآن يعرفهم، وربّما أكون الوحيد الذي له اطّلاع عليهم، ولم أبيّنهم أيضًا حتّى الآن ولم أتكلّم عنهم حتّى الآن، وكانوا لا يرونه أصلاً، وفي الوقت نفسه كان لهم ارتباط به وكانوا يؤدّون أعمالهم ووظائفهم ويطوون طريقهم، فلم يكن يقول: تعالوا إلى منزلي وأكثروا في الحاضرين وفي الحماس وأقيموا المواكب والمجالس، فهذا الكلام ليس لبيت وليّ الله، هذا لأهل الدنيا، يقيمون مجلس عزاء بسيط فيعلّقون الإعلانات في المدينة كلّها، فماذا حصل؟ فأنت لا تتّسع غرفتك لعشرين رجلاً أو ثلاثين وقد اشتريت إعلانات بمقدار ما يملأ الدار كلّها من الإعلانات وألصقتها هنا وهناك؟! فهذا لأهل الدنيا وعندما يزداد الحضور تظهر أسنانه أن الحمد لله الحمد لله لقد صار للمجالس رونقها. لم يحصل رونق لمجالس الذكر ومجالس أهل البيت بل صار رونق لمجالس أهل بيتك أنت، أهل بيتك أنت، لا أهل ذاك البيت الذين هم أهل بيت العصمة والطهارة، أهل بيت الطهارة المطلقة.
