
ابتهاج الذات بذاتها وآثارها وضرورة تخلّي العبد عن آثاره الخاصّة
تتحدّث هذه المحاضرة حول عدّة محاور: 1. ما معنى ابتهاج الذات بذاتها وآثارها وما أثر ذلك على إمكان كره الله لخلقه؟ 2. ما هي وظيفة الولد تجاه والديه ووظيفة الوالدين تجاه الولد؟ 3. متى وصل إبراهيم إلى مقام الإمامة وما هي حقيقة ابتلائه بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام؟
ابتهاج الذات بذاتها وآثارها وضرورة تخلّي العبد عن آثاره الخاصّة
4ابتهاج الذات بذاتها وآثارها
الآن هذه الذات البحتة والبسيطة التي هي منبع ومبدأ لجميع التطوّرات والمظاهر والحقائق، هذه الذات لها صفة الابتهاج بخصوصيّاتها، فهو المبتهج بذاته في ذاته.
إنّ لكلّ واحد منّا صفات ولدينا حالات مختلفة بالنسبة إلى هذه الصفات، فإن كانت صفتنا صفة غير مناسبة من حيث الموازين الأخلاقيّة فإنّا نخجل لماذا أنا هكذا وهكذا؟ لماذا أنا بخيل؟ لماذا لا أضبط كلامي؟ لماذا أتدخّل في أعمال الناس؟ لماذا أنا أحبّ أن يكون فلان عاملاً تحت أمري وأكون أعلى منه؟ لماذا؟ فعندما نرجع إلى أنفسنا نرى أنّ لدينا ردّة فعل تجاه كلّ واحدة من هذه الصفات، نشعر بهذه الصفات الرذيلة في وجودنا، طبعًا هناك من يختلف الأمر لديهم بشكل كامل حيث لم يعد لديهم معنى للصفة الرذيلة، ﴿خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ وَعَلَىٰ سَمْعِهِمْ وَعَلَىٰ أَبْصَارِهِمْ غِشَاوَةٌ﴾۱ لقد انقلب تفكيرهم بشكل كامل حتّى إنّهم ليغرقون في الذنب ويستمرّون على الذنب و المعصية حتّى تنتهي عندهم القدرة على تشخيص الفضيلة من غيرها، الفضيلة عندهم تفقد قيمتها، والرذائل عندهم تصبح فضائل، فالاحتيال يصبح ذكاء، والسرقة تصبح ذكاء، والتفكير في العواقب و أمثال ذلك [يفقد قيمته]، فقد انتهى أمر الإنسان وختم على سجلّه. ولكن قبل أن نصل إلى هذه الحالة تكون لدينا ردّة فعل على صفاتنا وخصوصيّاتنا التي فينا، نقول: كم كان حسنًا أن أكون مثل فلان، كم كان حسنًا أن تكون لديّ خصوصيّات فلان! كم هو جيّد! انظر كم هو حسن! انظر كم هو إنسان جيّد! كم هو صافٍ، انظر لا حقد لديه ولا غشّ في عمله. انظر إنّه صادق مع الجميع. انظر هو صادق حتّى عندما يكون الصدق مضرًّا له. انظر وانظر، هذا كلّه لماذا؟ لأنّنا نتفاعل مع الصفات والغرائز والخصال والشمائل الفطريّة التي أودعها الله في ذات الإنسان، فنعرف أنّ هذا العمل خطأ [وأنّ ذاك صواب] فنسعى إلى الوصول إليه وإلى التخلّص من الصفات غير المستحسنة، فهذه الحالة التي نراها في أنفسنا بالنسبة إلى الصفات المستحسنة تسمّى ابتهاج النفس.
نعم أحيانًا يمكن أن يبتهج الإنسان ببعض الأشياء التي لا تستحقّ، كأن يكون المال كثيرًا فيفرح الإنسان في نفسه لكثرته، هذا شيء لا يستحقّ ولا فائدة منه، ولكنّ هذه الصفات ليست كذلك، فمثلاً يكون لدى الإنسان علم وعلمه كثيرًا فيبتهج بعلمه، ويكون لإنسان ما فنّ فيبتهج بفنّه، كالخطّاط والرسّام، وقد شوهد أنّ بعض الخطّاطين والرسّامين عندما يخطّطون يبتهجون ويفتخرون بهذا العمل الذي ظهر عنهم بحيث إنّهم لا يكونون مستعدّين لبيعه حتّى بالملايين، أي لا يريد أن يبعد هذا العمل عن نفسه، والحال أنّ هذا العمل لو كان قد صدر عن غيره لالتذّ به أيضًا وبالدقّة التي أعملت فيه، ولكن لا بالمقدار الذي يحصل لديه عندما يكون هذا العمل منه، فالأمر يختلف، فبماذا يختلف؟! في أنّه يرى هذا من نفسه، وذاك من آخر، هذا من ترشّحات وآثار ذاته، ولأنّ الإنسان مبتهج بذاته يبتهج أيضًا بآثار ذاته ومظاهرها وتجليّاتها.
- سورة البقرة (٢)، مقطع من الآية ۷.
