
ابتهاج الذات بذاتها وآثارها وضرورة تخلّي العبد عن آثاره الخاصّة
تتحدّث هذه المحاضرة حول عدّة محاور: 1. ما معنى ابتهاج الذات بذاتها وآثارها وما أثر ذلك على إمكان كره الله لخلقه؟ 2. ما هي وظيفة الولد تجاه والديه ووظيفة الوالدين تجاه الولد؟ 3. متى وصل إبراهيم إلى مقام الإمامة وما هي حقيقة ابتلائه بذبح ابنه إسماعيل عليهما السلام؟
ابتهاج الذات بذاتها وآثارها وضرورة تخلّي العبد عن آثاره الخاصّة
3معنى رضا الله وعدم رضاه
تقدّم في الجلسات السابقة الكلام عن أنّه ما معنى أن يكون الله غير راض عنّا وأن لا يكون هذا العمل مرضيًّا عنده؟ فما هو الفرق بالنسبة إلى الله؟! إنّه في ألوهيّته وسلطانه، هو مالك الرقاب، له مالكيّته ليوم الدين، له ملك السموات والأرض، هو غنيّ بالذات، وغناه الذاتيّ يعني أنّ تطوّرات الوجود لا تضيف شيئًا إلى كماله، فأن يصل أحد الآن إلى الكمال لا يجعل الله ينتفخ قليلاً، لا يجعله يفتخر قليلاً، لا يجعله يفرح قليلاً ويقول: جيّد أنّ عبدنا هذا قد وصل إلى الكمال وارتقى ولم يخيّبنا، يقول إنّ أحد عباده وصل إلى مرحلة الكمال وصار من أولياء الله. كلاّ، فلو لم يأت أيّ كامل منذ أن خلق الله السماوات والأرضين وقبلها ومنذ أن كان الله، لما نقص من الله شيء، ولو وصل الجميع إلى مرتبة رسول الله لما أضيف إلى الله شيء، لأنّه هو غنيّ بالذات، دقّقوا جيّدًا ماذا أريد أن أقول الليلة، فالأمور دقيقة.
معنى الغنى الذاتي لله
الغنيّ بالذات هو ذاتٌ لا تضيف عليها الأطوار والتطوّر في الوجود شيئًا ـ أمّا العدم فلا يقبل البحث ولا ينبغي الكلام عنه، ولا يقع موضوعًا، ولا يخبر عنه ـ وعدم التطوّر في الوجود وعدم الخلق الجديد وعدم خلق هذه المظاهر المختلفة وإيجاد هذه الصور المتنوّعة في العوالم لا يضيف إليه شيئًا، لا شيء لا شيء ولو مقدار رأس إبرة. سأضرب لكم مثالاً الآن، فأنا الآن يمكنني أن أظهر يدي بأشكال مختلفة، فتارة أغلقها، والآن أغلقتها، أغلقت كفّي، والآن أفتحها وأتركها هكذا، والآن هكذا، ثمّ ظهرها إلى الأرض، ثمّ وجهُها إلى الأرض، ثمّ أجعلها نحو الأعلى، ثمّ أفرّج الأصابع و… ففي هذه الحركات التي شاهدتموها كم غِرامًا أضيف إليّ؟ لا شيء! لم يُضف إليّ واحد من مائة جزء من الغِرام ولا نقص منّي ذلك، كلاّ فلا نقصان ولا زيادة، لن ينقص من الذات الأحديّة مقدار رأس إبرة ولن يزيد، كلّ ما هو موجود فهو في حيطة الوجود وذاته البحتة والبسيطة والتي تظهر في مرتبة الانبساط، والانبساط الحاصل لا ينافي بساطته، بل يتحقّق ذلك الانبساط في عين بساطته، لا أنّه يضاف إلى ذلك البسيط شيء. فلا شيء خارج ذات الوجود لكي يضاف إليه، لا شيء، وهذا الفضاء والمكان قبل أن نأتي نحن إليه كان خاليًا، فجاء كلّ واحد من الرفقاء بعد الآخر وجلسوا هنا، ففي البداية جاء واحد، ثمّ جاء آخر، ثمّ ثالث وهكذا جاء الرفقاء من الخارج، وملؤوا هذا المكان. والآن الرفقاء موجودون هنا وقد امتلأ بهم فضاء من هذا المكان، والحال أنّ ذلك لم يكن، ولكنّ هذه التغيّرات والتبدّلات كامنة في نفس ذات الوجود الذي هو ذات الباري تعالى، ولا حقيقة خارج تلك الذات لكي تضاف إليها فتصل بها إلى الكمال، وتضيف على وزنها، وعلى تجرّدها ونورانيّتها وعلى ظهورها. كلّ ما هو موجود فهو عنده ومنطو فيه، غاية الأمر أنّ كلّ ما هو منطو فيه وفي ذاته بنحو الإجمال يظهر بصورة الانبساط وبصورة التفصيل في الخارج، فإذن لم يضف شيء إلى ذات الله ولا نقص منها شيء، لا شيء. هذا هو ما يسمّى بالوجود الغنيّ وبالذات التي هي في الغنى المحض، في الاستغناء وعدم الحاجة المحضة، محض الاستغناء وعدم الحاجة.
