
رجوع الاعتباريّات إلى الحقائق في الإسلام
وحقيقة ليلة القدر
تتحدّث هذه المحاضرة حول محورين أساسيّين: اعتبار الولاية والرئاسة ـ ليلة القدر. وفضلا عن إشارات فيها إلى أبحاث أخرى تحاول الإجابة على الأسئلة التالية: ما معنى الاعتبار والانتزاع وما هي أقسامه؟ وكيف يجري الاعتبار الصحيح؟ هل ولاية الله اعتباريّة أم حقيقيّة؟ هل الولاية والرئاسة في الإسلام ترجع إلى حقائق ذاتيّة أم أنّها مجرّد اعتبار؟ ما هي الصفات الذاتية التي يرجع إليها اعتبار الرئاسة في الإسلام؟ متى تبدأ ليلة القدر وما هي حقيقتها وما هو العمل الأفضل فيها؟
رجوع الاعتباريّات إلى الحقائق في الإسلام
20فهذه الحيثيّة هي الحيثيّة الواقعيّة والحيثيّة الذاتيّة. وما دام الأمر كذلك وما دامت هذه الأمور الاعتباريّة أنواعًا بعضها انتزاع صحيح وبعضها انتزاع غير صحيح، فعلى الإنسان أن يتوجّه نحو أيّ نوع من هذه الانتزاعات؟ عليه أن يتوجّه نحو ذلك النوع من الانتزاعات الصحيحة.
حسنًا لهذا الكلام تتمّة وإن شاء الله في الليالي القادمة سنتحدّث عنه.
متى تبدأ ليلة القدر وما هي حقيقتها؟
إنّ ليالي القدر على الأبواب، والليلة القادمة هي ليلة التاسع عشر من الشهر المبارك، وبعد ليلتين ليلة الواحدة والعشرين، ليلة شهادة أمير المؤمنين، وبعدها كما هو معلوم ليلة الثالث والعشرون، وكما هو واضح فإنّ ليالي القدر هي فضاء لا فضاء مكانيّ بل برهة من الحالة المعنويّة والروحانيّة ترد على النفس الملكوتيّة للإنسان، وتسيطر على مثال الإنسان وشهادته. تلك الحيثيّة المعنويّة تسمّى ليلة القدر. وتبدأ هذه الحيثيّة من ليلة التاسع عشر، أي إنّها تشرع من أحوال وأجواء وفضاء ليلة التاسع عشر وتنتهي ليلة الثالث والعشرين. وهناك من يتصوّر أنّ ليلتي التاسع عشر والواحد والعشرين مستقلّتان عن ليلة القدر ولهما عنوان المقدّمة، أي أنّ حفظ الآداب ورعاية المراقبة ورعاية الموازين الشرعيّة في ليلة التاسع عشر ويوم التاسع عشر وكذلك في ليلة الواحد والعشرين هم مقدّمة لاستعداد الإنسان وتهيّؤ النفس لإدراك ليلة القدر في الثالث والعشرين، هكذا يتصوّرون.
وهذا الكلام يمكن تبريره، يمكن تبريره بهذا النحو. ولكن أظنّ أنّ التعبير الأدقّ هو أنّ ليلة القدر هي حيثيّة ما، وهي جوّ معنويّ خاصّ، كما شاهد الأعاظم وبيّنوا، ولكنّها غير قابلة للبيان ولا يمكن للعقول المتعارفة أن تدرك هذه الحقيقة، لذلك عبّروا عنها بليلة الثالث والعشرين. ولكنّ الذين هم من أهل الدقّة شيئًا ما، ولديهم معرفة ما بهذه الأمور، فإنّهم يلتفتون شيئًا فشيئًا إلى أنّها حالة يبدأ تبلورها من ليلة التاسع عشر وتصبح أكثر نضجًا شيئًا فشيئًا، تمامًا مثل الصورة التي يريد الرسّام أن يرسمها، ففي البداية يرسم الخطوط حول هذا الطائر، يرسم خطوطًا بسيطة، ثمّ إذا ما مضى وقت ما جعل هذه الخطوط أكثر إشباعًا في لونها، ثمّ بعد مدّة يعطيها هالة، وهكذا بعد مدّة يبدأ بالتفاصيل الدقيقة وبعد ساعة أو ساعتين ترى أنّه طائر عصفور أو بلبل جميل جدًّا قد جيئ به إلى هذه الصفحة، ففي أيّ زمان تحقّقت صورة البلبل هذه؟ هل في الثانية الأخيرة من تلك الساعتين أم من البداية؟ من البداية حينما أمسك الرسّام بالقلم بدأت رسة البلبل هذه، بدأت حتّى انتهى منها بعد ساعتين، فهذا هو الزمان الذي تحقّقت خلاله اللوحة.
