
رجوع الاعتباريّات إلى الحقائق في الإسلام
وحقيقة ليلة القدر
تتحدّث هذه المحاضرة حول محورين أساسيّين: اعتبار الولاية والرئاسة ـ ليلة القدر. وفضلا عن إشارات فيها إلى أبحاث أخرى تحاول الإجابة على الأسئلة التالية: ما معنى الاعتبار والانتزاع وما هي أقسامه؟ وكيف يجري الاعتبار الصحيح؟ هل ولاية الله اعتباريّة أم حقيقيّة؟ هل الولاية والرئاسة في الإسلام ترجع إلى حقائق ذاتيّة أم أنّها مجرّد اعتبار؟ ما هي الصفات الذاتية التي يرجع إليها اعتبار الرئاسة في الإسلام؟ متى تبدأ ليلة القدر وما هي حقيقتها وما هو العمل الأفضل فيها؟
رجوع الاعتباريّات إلى الحقائق في الإسلام
2أعوذُ بِاللَه مِنَ الشَّیطانِ الرَّجیم
بِسمِ اللَه الرَّحمَنِ الرَّحیم
وصلَّى اللَه عَلَى سیدنا و نبيّنا أبي القاسم مُحَمّدٍ
وعلى آله الطّيبين الطّاهرين و اللعنة عَلَى أعدائِهِم أجمَعينَ
حُجَّتِي یا اللَه فِى جُرأَتِي عَلَى مَسئَلَتِك مَعَ إتیانِي مَا تَکرَهُ، جُودُك وَ كرَمُك، وَ عُدَّتِي فِى شِدَّتِي مَعَ قِلَّة حَیائِي، رَافَتُك وَ رَحمَتُك
إنّ حجّتي يا إلهي وسندي في جرأتي وطلبي ما أريد منك هو عبارة عن جودك وكرمك والحال أنّي أرتكب الذنوب وما تكرهه.
عدم إمكان كراهة الله لشيء إلا بلحاظ أنّ فيه مفسدة للمخلوق
تكلّمنا في الليالي الماضية حول بعض جوانب هذه الفقرة وذكرنا أنّ المقصود من الكراهة التي لدى الله ليس كراهة شخصه وذاته بل ترجع كراهته إلى المخاطبين والمكلّفين.
وبناء على القواعد الفلسفيّة والحكميّة والشواهد والآثار العرفانيّة والشهوديّة فإنّ كلّ ما يتحقّق في عالم الوجود إنّما ينشأ من ذات الباري تعالى، فإنّ ذات الباري تعالى وبواسطة أسمائها وصفاتها الكليّة تحدّد وتقيّد ذلك الفعل والصفة في قوالب الماهيّات الخارجيّة.
فجميع ما نشاهده أو لا نشاهده سواء في عالم الشهادة والطبع والملك الذي هو عالم الظاهر هذا الذي لا يتناهى، لأنّه لا يمكن أن يتصوّر لهذا العالم حدّ، سواء كان له حدّ أم لم يكن، فذلك أمر لا يحتمله فهم أحد من علماء الظاهر هؤلاء وأصحاب العلوم الظاهريّة والماديّة، فهؤلاء لا يمكنهم أن يعيّنوا حدًّا لهذا العالم، وكلّ ما قالوه حتّى الآن هو تخمين وحدس، ووفق القواعد الفلسفيّة أيضًا لا يمكن أن يفرض هذا العالم محدودًا أو غير محدود، وما أراد الحكماء أن يختبروه من الطبيعيّات باسم فلسفة، فهو عندهم ناقص وغير ناضج.
هل المكان حقيقيّ أم اعتباريّ؟
الأمر المسلّم هو أنّ المكان أمر اعتباريّ ولا حقيقة خارجيّة له، أروني المكان هنا! مكانًا هو غير الأعيان الخارجيّة، لا بدّ أنّكم تقولون هذا الفضاء الذي نجلس فيه. ولكنّ هذا أوكسيجين وليس مكانًا. لا بدّ أنّكم تقولون بين هذا الجانب من الجدار وذاك الجانب من الجدار الآخر. ولكن كلّ من هذين الجانبين هو جانب، فجانب هنا وجانب هناك، وأيّ شيء بينهما نسمّيه مكانًا؟! لا شيء! هناك شيئان متقابلان، ومن اقترانهما وكيفيّة المسافة الفاصلة بينهما ننتزع أمرًا، لا أنّه موجود.
