
معرفة الله تعالى حقّ المعرفة
ما هو الأمر الأساس الذي تتوقّف عليه المعرفة؟ ما هي أقسام المعرفة؟ ما هو السرّ في عدم كفاية معرفة الله تعالى الإنّية من خلال المخلوقات؟ ما هي الأهمّية التي تحظى بها معرفة الله تعالى بواسطة ذاته؟ وما هي أوجه أفضليّة هذه المعرفة؟ كيف يكون الله تعالى هو الدالّ وهو المدلول؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
معرفة الله تعالى حقّ المعرفة
4فالبناء يدلّ على البنّاء؛ إذ حينما تذهبون لأيّة مدينة أو بلاد أو قرية، وتُشاهدون بنايةً هناك، فإنّكم تحكمون بأنّ بنّاءً قد شيّدها؛ لأنّ البناء لا يوجد من دون بنّاء ومهندس.
وما إن تنظرون إلى البساط الموضوع تحت أرجلكم، حتّى تقولوا: «لقد نسجه أحدُهم»؛ لأنّ البساط لا يوجد من تلقاء ذاته؛ وهذا أمر مسلّم! فهنا، يكون الانتقال من المعلول إلى العلّة.
وهكذا، ما إن ترون الطعام المطبوخ، حتّى تقولوا: «لقد طبخه أحدُهم»، وتقولوا أيضًا عن خبز "سنگک"۱: «لقد جاء به أحدُهم من الفرن».
فالنجّار هو الذي عمل على تشكيل الخشب، وتنعيمه، ثمّ صقله وتلميعه، إلى أن ظهر على شكل باب؛ كما أنّ هناك من نحت الحجر، حتّى جاؤوا، ونصبوه على حائط المسجد؛ وإلاّ، فإنّه لم يظهر على تلك الصورة من تلقاء ذاته؛ وهذا أمر مسلّم بطبيعة الحال!
جاء أعرابيّ إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، واستدلّ على مسألة التوحيد، وأنّ الله تعالى هو الذي خلق السماوات والأرض؛ وجاء استدلاله بالنحو الآتي:
البَعرةُ تدلُّ عَلَى البَعيرِ، وأثرُ الأقدامِ يدُلُّ عَلَى المـَسيرِ؛ أ فَسماءٌ ذاتُ أبراجٍ وأرضٌ ذاتُ فِجاجٍ لا تَدُلاّنِ على اللطيفِ الخَبيرِ؟!٢
حيث قيل له: «كيف عرفت الله؟»، فقال:
حينما أمشي في الطريق، وأرى روث الإبل ملقى عليها، فإنّ ذلك يدلّ على أنّ جملاً مرّ من هذا الطريق؛ وحينما أسير في الطريق، وأرى أثر أقدام إنسان، فإنّ ذلك يُشير إلى أنّ إنسانًا عبر من هناك.
وحينئذ، ألا تدلّ هذه السماء ـ بما تملكه من علوّ وارتفاع في المرتبة، وما تتوفّر عليه من أبراج متعدّدة ـ ، وكذلك هذه الأرض ـ بما تتوفّر عليه من فجاج وخصائص ـ على أنّ إلهًا لطيفًا وخبيرًا قد خلقها؟!
وهذا هو الاستدلال بالمعلول على العلّة!
سُئلت امرأة عجوز كانت تملك عجلة مغزل تغزل بها القطنَ والصوف في المنزل: «بأيّ شيء عرفتِ الله تعالى؟»، فقالت:
كلّ ما أعرفه أنّني حينما آخذ القطن والصوف، وأضعه في عجلة المغزل، وأحرّك هذه العجلة، فإنّه يُصبح على شكل خيوط؛ لكن، متى ما رفعت يدي عن العجلة، فإنّها تتوقّف، ولا ينتج عنها أيّ شيء، حيث يبقى القطن والصوف على حاله، ولا يتحوّل إلى خيوط؛ وحينئذ، مثلما أنّه عندما أرفع يدي عن العجلة، فإنّها تتوقّف، ولا تتحرّك، بحيث تكون حركتها بواسطة يديّ أنا، فإنّ حركة هذه العجلة الكبيرة تكون بيد الله تعالى! فهذه السموات والأرض وحركتها تتوفّر على محرّك لولاه لما تحرّكت، ولتوقّفت.
- أي: الخبز الحجريّ؛ وهو خبز إيرانيّ يُطبخ في فرنٍ أرضيُّته من أحجار صغيرة؛ ولعلّ هذا هو السبب في تسميته. المعرّب
- مرآة العقول، ج ۷، ص ۱٣٥؛ بحار الأنوار، ج ٦٦، ص ۱٣٤.
