
معرفة الله تعالى حقّ المعرفة
ما هو الأمر الأساس الذي تتوقّف عليه المعرفة؟ ما هي أقسام المعرفة؟ ما هو السرّ في عدم كفاية معرفة الله تعالى الإنّية من خلال المخلوقات؟ ما هي الأهمّية التي تحظى بها معرفة الله تعالى بواسطة ذاته؟ وما هي أوجه أفضليّة هذه المعرفة؟ كيف يكون الله تعالى هو الدالّ وهو المدلول؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
معرفة الله تعالى حقّ المعرفة
2أعوذ بالله مِن الشّيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصَلَّى اللَهُ على محمّدٍ وآلِهِ الطاهِرينَ
ولَعنةُ اللَهِ على أعدائِهِم أجمَعينَ
توقّف المعرفة على وجود علاقة بين المعرِّف والمعرَّف
«بِكَ عَرفتُك، وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ، ودَعَوتَني إليكَ، وَلولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ».
بعبارة «بِكَ عرفتُكَ»، تمّ المعنى؛ وأمّا العبارات التي أتت بعدها؛ وهي: «وأنتَ دَلَلتَني عَلَيكَ، ودَعَوتَني إليكَ، وَلولا أنتَ لم أدرِ ما أنتَ»، فقد جاءت في مقام تفسير هذه العبارة وبيانها وشرحها.
«بِكَ عرفتُكَ»؛ إذ حينما يعرف الإنسان شيئًا، فإنّ معرفته بهذا الشيء إمّا تكون بنفسه، أو بغيره، لكن بشرط أن تكون هناك علاقة بين هذا الغير وبين ذلك الشيء، حتّى يتمكّن الإنسان من معرفته؛ وإلاّ، لو لم تكن بينهما أيّة علاقة، فكيف سيتسنّى للإنسان التعرّف عليه؟! وعلى سبيل المثال، إذا رأى الإنسان زيدًا، فإنّ رؤيته لزيد هذا لن تكون سببًا لمعرفته بعمرو القاطن في البلاد الفلانيّة! لأنّه لا توجد بين هذين الاثنين أيّة نسبة، أو علاقة شراكة، أو أبوّة، أو بنوّة، أو رحم، أو علاقة نسبيّة أو سببيّة.
وعليه، إذا تعرّف الإنسان على شيء بواسطة شيء آخر، فلا بدّ أن يوجد ربط بين هذين الشيئين،۱ حيث يتمثّل هذا الربط إمّا في الربط العلّي، أو الربط المعلوليّ.
فالمراد هنا من الربط العلّي أن يكون ذلك الشيء الذي يطّلع عليه الإنسان ـ فيتعرّف بواسطته على شيء آخر ـ علّةً لوجود هذا الشيء الآخر؛ ومن باب المثال، إذا رأى الإنسان النار من بعيد، فإنّه يكتشف فورًا أنّ هناك حرارة؛ فمع أنّه لم يشعر بالحرارة، ولم تصل هذه الحرارة إلى بدنه، ولم يحصل له أيّ تماسّ معها، لكنّه يعلم بالضرورة من خلال رؤيته للنار أنّ هناك حرارة؛ إذ لا يُمكن أن توجد النار من دون حرارة؛ لأنّ النار علّة للحرارة، وكلّ علّة تستلزم معلولها؛ أي أنّ النار تلزم منها الحرارة، والحرارة تلزم من وجود النار؛ ولهذا، حينما يرى الإنسان النار من بعيد، فإنّه يكتشف وجود الحرارة.
المعرفة الإنّية واللمّية وفوق اللمّية
وهذا الذي يُعبّر عنه بـ: «الانتقال من العلّة إلى المعلول»، ويُطلق عليه في لسان الأدباء والعلماء اسم «البرهان اللميّ».
- لمزيد من الاطّلاع على قاعدة «لا يعرِفُ شيءٌ شيئًا، إلاّ بِما هُو فيهِ مِنهُ»، راجع: معرفة الله، ج ۱، ص ۷٥.
