
اختلاف مراتب أصحاب الأئمّة (بايزيد البسطامي نموذجًا)
هل كان أصحاب الأئمّة عليهم السلام على مستوى واحد من الاهتمامات والعلوم وتهذيب النفس؟ ما هي مكانة بايزيد البسطامي عند الإمام الصادق عليه السلام؟ ولماذا لم يكن يروي عنه شيئًا من الحديث؟ وهل هذا دليل على عدم صدق ما ينقله التاريخ من تتلمذه عنده؟ تتناول هذه المحاضرة فكرة اختلاف المراتب بين أصحاب الأئمّة من خلال شخصيّة بايزيد البسطامي بشكل أساسي مع الإشارة إلى غيره من الأصحاب، وتنظّر لذلك بأحوال بعض العلماء المعاصرين.
اختلاف مراتب أصحاب الأئمّة (بايزيد البسطامي نموذجًا)
16ستّ سنوات عند الإمام الصادق عليه السلام ولم ير بعد، والحال أنّا كنّا نرى الذي كانوا يأتون إلى المرحوم العلاّمة فكانوا ينظرون أوّلاً إلى السجّاد، إلى الباب والجدار، إلى الصور، إلى الأعلى والأسفل، كيف الأوضاع؟ وبعد أن يلقي نظرة دقيقة في النهاية يقول: كيف حالك يا سيّد محمّد حسين؟ ما أخبارك؟
ـ الحمد لله، شكرًا لكم، وفّقكم الله، أهلاً وسهلاً.
فلو بقي هذا عشر سنوات لبقي كما كان، لا فقط ستّ سنوات، عشر سنوات وعشرون سنة وثلاثون سنة يبقى على حاله.
يبدو أنّ كلّ كلامنا الليلة كان حول الأفراد والأصحاب، هكذا اتّفق. نسأل الله أن يوفّقنا إن شاء الله أن نعرف الواقع والحقّ كما هو ونعمل على أساسه، وأن نقلّل من الحشو والزوائد، والخلاصة أن نحصل على ما عمل به العاملون الرابحون فربحوا، أن نحصل على تلك الأسرار التي حصلوا عليها وعملوا به وتقدّموا فنعمل بها ونصل إلى تلك النتائج.۱
اللهمّ صلّ على محمّد وآل محمّد
- قال العلامة الطهراني رضوان الله عليه في كتاب معرفة الله، ج٣، ص: ٢٩٦ ـ ٢٩٩
أضحى عصر بني العبّاس أسوأ بكثير من عصر بني اميّة، ممّا حدا باولئك الزهّاد و العبّاد بتفضيل الانزواء و التعبّد بعد أن استيأسوا من الناس. و لمّا كان الأئمّة على رأس هذه الفئة، فقد اجتمع اولئك الزهّاد و العبّاد حولهم كالفراش المتجمّع حول السراج، لمؤاساتهم و تطييب خاطرهم. فلمّا طال الزمن على هذه الفئة و تطاولت السنون التي قضوها في العبادة و العزلة فقد غلب عليهم الانشغال بالله و العوالم المعنويّة، و لم يرغبوا في شيء كما رغبوا في المعارف و الحقائق المتعلّقة بمعرفة الله و النفس و بدءوا ينهلون من تلك العيون ما أمكنهم.
«بايزيد» و «شقيق» و «معروف» كانوا تلامذة لثلاثة أئمّة
و لم يبخل الأئمّة أو يقصّروا في إغنائهم وإفاضتهم من تلك العلوم، حتى حاز ثلاثة منهم على صُحبة ثلاثة من الأئمّة صحبة معنويّة و صوريّة شديدة القُرب، أحدهم بايَزيد البَسطاميّ الذي مارس التقيّة خوفاً من بطش البطّاشين و انتحل شخصيّة السقّاء و تمكّن بذلك من مصاحبة الإمام جعفر الصادق عليه السلام سنوات طوالًا فتشرّب من حقائق ذلك الإمام و ارتوى من معارف فيضه الشيء الكثير *
والثاني، شَقِيق البَلخيّ الذي تاب من ذنوبه على يد الإمام موسى بن جعفر عليهما السلام و لازمه.
و الثالث: معروف الكَرخيّ والذي تنكّر بهيئة بوّاب لدار الإمام الرضا عدّة سنوات تقيّةً و خوفاً من المناوئين **
و بسبب اكتساب هؤلاء الثلاثة معارفهم و حقائقهم من الأئمّة الثلاثة و تدريسهم ذلك لباقي الزهّاد و العبّاد، فقد اصطبغوا بصبغة الزهد و العبادة و المعارف الخاصّة و التي لم تكن موجودة في عصر بني اميّة.
و واضح بشكل لا يقبل الشكّ أن المعارف و الحقائق التي كان الأئمّة حائزين عليها هي نفسها التي قام الرسول بتعليمها إلى علي بن أبي طالب عليه السلام و منه إلى أولاده و من أولاده إلى مَن وجدوا فيه الاستعداد و القابليّة لنيلها. و لمّا لم يكن للأئمّة المذكورين مُعلّماً غير آبائهم، فقد كان منهلم الوحيد و الأصليّ هو الرسول و على عليهما صلوات الله.
* كتب العالم الجامع للكمالات الشيخ بهاء الدين العامليّ المعروف بـ «الشيخ البهائيّ» في كتابه «الكشكول» طبعة مصر الدرج الأوّل، ص ۸٦، موضوعاً حول بايَزيد البَسطاميّ قال فيه:
«كان سقّاءً للإمام جعفر الصادق عليه السلام دون شكّ أو ريب. ذكر هذه القضيّة جماعة من المؤرّخين، و أورد ذلك أيضاً الإمام فخر الدين الرازيّ في كثير من كتبه الكلاميّة، و ذكره كذلك السيّد الجليل رضيّ الدين علي بن طاووس في كتاب «الطرائف»، و ذكره أيضاً العلّامة الحلّيّ في شرحه على «تجريد الاعتقاد» للخواجة الطوسيّ» إلى آخر كلامه في هذه المسألة.
أقول: نُقل في كتاب «الطبقات» للشعرانيّ، ج ۱، ص ٥ عن بايزيد البسطاميّ قوله إنّه كان يقول لعلماء عصره: أخذْتم عِلمَكم من علماءِ الرُّسوم ميِّتاً عن ميِّتٍ؛ و أخذْنا عِلمَنا من الحيّ الذي لا يموت!
**جاء في كتاب «طبقات الصوفيّة» تأليف أبي عبد الرحمن السلميّ، ص ۸٥ أنّه قال: «أسلم معروف الكرخيّ على يد الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام، و عمل حاجباً وبوّاباً للإمام بعد إسلامه. و ازدحم الشيعة يوماً أمام باب دار الإمام علي بن موسى الرضا عليه السلام فكُسِر له عظم في صدره، فتوفّي على أثرها و دُفِنَ في بغداد بالعراق».
- قال العلامة الطهراني رضوان الله عليه في كتاب معرفة الله، ج٣، ص: ٢٩٦ ـ ٢٩٩
