
الحياء والغِيبة
و كيف نستفيد من شهر رمضان؟
ضمن تفسير فقرة (حجّتي يا الله في جرأتي على مسألتك…) تتحدّث هذه المحاضرة حول محاور أربعة: الأول: لماذا يستحي الناس من بعضهم ويتجرأون على الله؟ الثاني: ما آثار حسن الظنّ بين الناس في الدنيا والآخرة؟ الثالث: هل الغاية تبرّر الوسيلة؟ وهل يجوز اغتنام نقاط ضعف الخصم لإحقاق الحقّ؟ ولماذا لم يقتل أمير المؤمنين عليه السلام عَمرًا بن العاصّ في صفّين؟ وهل يمكن أن يحدث ما يشبه ذلك لنا؟ الرابع: كيف نستفيد من شهر رمضان؟
الحياء والغِيبة
15الغاية الحقّة لا تبرّر الوسيلة القذرة
فانظروا الله يلقي [في النفس]، أنت لا زلت تناور على الأمر منذ سنتين وتدرسه من جوانب مختلفة، وقد وصلت إلى كامل الغاية والمقصد الذي تريد، طبعًا لا أقول كاملاً، ولكن وصلت إلى بعضه، فلا يحقّ للإنسان أن يستغلّ ضعف الخصم ويستفيد منه؛ لأنّ الطريق حقّ، والمسير مسير حقّ، وواقعًا القضايا التي تنقل عن هؤلاء الأبطال من أهل المروءة والشهامة في الزمان السابق مثل بوريا الولي وغيره، هي من هذا القبيل، إنّها تنبع من هنا.
وسمعت أنّ بعض هؤلاء الأبطال والمصارعين من المسلمين إذا أحسّوا في حلبة المصارعة أنّ الخصم لديه نقطة ضعف في موضع معيّن كأن تؤلمه يده أو رجله أو رقبته فإنّهم لا يفعلون شيئًا يعدّ استغلالاً لنقطة الضعف هذه، ويعدّون ذلك منافيًا للمروءة، منافيًا للشهامة، فإنّه إذ يصارع فلانًا ورجله تؤلمه لا يستغلّ ذلك ويوقع خصمه أرضًا بسبب نقطة الضعف هذه، بل يأتيه من ناحية أخرى، ومن جانب آخر.
لقد خطر في بالي حينها فجأة هذا الأمر: أنت بنفسك تتكلّم بهذا الكلام وتقول: لقد كان جدّنا هكذا، كان إمامنا هكذا، لقد ذهب بكافّة أحداث صفّين من أجل عمل واحد لو كنّا نحن مكانه لقمنا به مائة بالمائة، مائة بالمائة، فهذا رجل عديم الدين والمذهب وقد فعل ذلك فرارًا من الموت، ولكُنّا قتلناه شرّ قتلة ومثّلنا به.
والحال أنّ أمير المؤمنين نظر إلى جميع هذه الأحداث، هذه المدّة من القتال، الأعمال التي أنجزها، معاوية، كلامه، الحكومة… كلّ ذلك يستند إلى أن يرفع سيفه ويقضي عليه. اقض عليه وأنه الأمر! ولكن يرى فجأة أنّه لو قام بهذا العمل… فعمل عمرو بن العاص هذا مثل حيلته عندما رفع القرآن على المصاحف، كلا الأمرين ناشئان من مكان واحد، فجأة يتوقّف أمير المؤمنين ويقول: كلاّ أنا لا أستغلّ نقاط ضعف العدوّ، لقد أحسّ هذا بالعجز الآن، فأنا عليٌّ إنّما أضربه بالسيف عندما يكون راكبًا خيله مثلي، وبيده سيفه، ويكون في مقام المواجهة، لا أن يكون متنحّيًا، لا بدّ أن يكون في مقام المواجهة، مجرّدًا سيفه، يكون مساويًا لي، حينها أتقدّم فأضرب ضربة ويضرب هو أخرى. أمّا الآن بعد أن ألقى سيفه وجعل نفسه في هذه الحالة لينهي الأمر بهذا النحو، فما أقوم به حينئذ هو استغلال لنقطة ضعف العدوّ، وعليّ لا يفعل ذلك، وهذا يعني أنّ الأشهر الثمانية عشرة من القتال ذهبت أدراج الرياح!
