
الحياء والغِيبة
و كيف نستفيد من شهر رمضان؟
ضمن تفسير فقرة (حجّتي يا الله في جرأتي على مسألتك…) تتحدّث هذه المحاضرة حول محاور أربعة: الأول: لماذا يستحي الناس من بعضهم ويتجرأون على الله؟ الثاني: ما آثار حسن الظنّ بين الناس في الدنيا والآخرة؟ الثالث: هل الغاية تبرّر الوسيلة؟ وهل يجوز اغتنام نقاط ضعف الخصم لإحقاق الحقّ؟ ولماذا لم يقتل أمير المؤمنين عليه السلام عَمرًا بن العاصّ في صفّين؟ وهل يمكن أن يحدث ما يشبه ذلك لنا؟ الرابع: كيف نستفيد من شهر رمضان؟
الحياء والغِيبة
10والنوع الثاني هو أن ينظر ما هو الطريق الذي علّمه الأعاظم للإنسان ليعرف كيف يتكلّم مع الناس، وأن يدرك أنّه لا ينبغي أن يسيء الظنّ دائمًا بالأخ المؤمن، بل يحسن الظنّ إلاّ إذا استيقن فهنا يختلف الأمر، فهذا له موضعه الخاصّ، ولكن ما دام حسن الظنّ ممكنًا فهو واجب، ثمّ قال: يمكن أن يحمل كلامه على هذا النوع الثاني، وهو أنّ الله أراد أن يجعلني علّة من العلل وسببًا من الأسباب وواسطة من جميع هذه الوسائط، فهناك ألف واسطة الآن في الدنيا وجميعها وسائط لله، وهي في سلسلة علل تقدير الحقّ للعافية والسلامة، وهذا الطبيب واحد منها، ومنها الدواء. افترض أنّ هناك عشرة آلاف طبيب، ولكن لا يوجد دواء فما الفائدة؟ الطبيب لا يمكنه أن يشفي هكذا، لا يمكن أن ينفخ للشفاء، بل يكتب وصفة فهذا منتهى ما يمكنه، وأمّا النفخ فهو عمل النبيّ عيسى وليس عمل الطبيب، الطبيب يكتب وصفة فحسب، هذا إن لم يخطئ فيها أيضًا.
فربّما كان مراد ذلك الطبيب أنّ الله جعلني واحدًا من الوسائط لكي يصل نفعي إلى عدد من الناس، ويؤدّي استمرار حياتي إلى أن تبرأ جماعة من الأمراض، ثمّ التفت إليّ وقال: أيّ هذين النحوين قصد هو؟
فتأمّلت قليلاً فقلت: في حالة حسن الظنّ النحو الثاني.
فقال: أحسنت، عليك أن تجعل ذلك دائمًا معيارًا في تعاملك مع كلام الناس ومع الناس.
فانظروا هكذا يأتي ويحلّل بدقّة ويري الإنسان أنّه إذا ما سمع كلامًا من إنسان وكان هذان النحوان محتملين، ويمكن أن يكون الأمر على واحد منهما فلماذا يحمله على ذاك النحو؟! فليحمله على هذا فتحلّ المشكلة وليس في ذلك أيّ أذى.
قال لي أحدهم عن إنسان من الذين يواجهونني ويخالفونني: إنّ فلانًا قال عنك كذا.
ففكّرت قليلاً وقلت: ربّما كان مراده كذا.
قال: لا.
قلت: لا معنى للا، فأنت لم تكن في قلبه، نعم هو مخالف لي ومعاند لي وعدوّ لي، كلّ ذلك صحيح ولكن أنا أفهم من كلامه هذا.
فانتهى الأمر وذهبت ونمت باطمئنان وكأنّ شيئًا لم يكن، لا سقطت السماء على الأرض ولا حصل شيء آخر.
