
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
أيّة علاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب؟ وما هي عاقبة كلّ من حُسن وسوء الظنّ بالله تعالى؟ كيف يكون الستر الإلهيّ على الإنسان العاصي عظيمًا؟ وما هي الأهمّية التي يحظى بها مزج العلم بالحلم؟ ما هي حقيقة العفو؟ ولأيّ شيء يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ وكيف يُحوّل السترُ الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
9ألم تروا الأطبّاء في السابق، ورؤساء الأطبّاء الذين كان لديهم ـ حقيقةً ـ علمٌ ودراية بمهنتهم، حيث لم يكن الناس يتجرّؤون على الحديث معهم؛ فما إن يفتح أحدهم فمه بالكلام، حتّى يرمي الطبيبُ القلمَ والدواة خارجًا، ويقول له: اصمت! سأصف لك الدواء، فاكتبه، واذهب لإحضاره!؛ وذلك لأنّ هذا المريض تكون له رغبة في أن يشكو إليه همومه، ويقول له: يا سيّدي، حينما تناولت ذلك الدواء، حصل لي انتفاخ في داخل أذني، وصار في عيني كذا، وبدأت تصدر أصوات من بطني!؛ في حين أنّ ذلك الطبيب يكون عالمـًا بكلّ هذه الأمور، ولا يريد إضاعة وقته فيها؛ غير أنّ المريض يظنّ أنّه لا يعلم بها؛ ولهذا، فإنّه يسعى لكي يشرح له جميع خصائص ذلك الدواء وتأثيراته؛ لكن، بما أنّ علم الطبيب قاطع، فإنّه يُلقمه حجرًا، ويقول له: اصمت!؛ ومن هنا، نجد أنّ الأطبّاء المتقدّمين كانوا بأجمعهم ـ كما قلتُ ـ سيّئي الأخلاق، ولم يكونوا حلماء، بل كان تحمّلهم قليلاً. وفي هذه الحالة، إذا كنّا نرى الأطبّاء في هذا العصر يتّصفون بحلم كبير، ويتعاملون مع الناس مثل "الحليم"۱، فلأنّ أيديهم فارغة، ولا يملكون شيئًا [من العلم]؛ فيتوسّلون بهذه الابتسامة وأمثالها لخداع الناس؛ وذلك نظير التاجر المفلس الذي أخذت البنوكُ كلّ أمواله، فصارت حقيبتُه خالية، وصندوقه فارغًا؛ ففي هذه الحالة، عندما يأتيه المشترون، نجده يتوسّل بالابتسامة والترحيب ومثل ذلك لكي يُفرغ جيوبهم؛ وباختصار، فإنّ هؤلاء يعملون على إفراغ جيوب الناس عن طريق إبداء حُسن الخلق، والتبسّم؛ أجل، هذا يصدق على البعض منهم، لا كلّهم؛ غير أنّ هذا البعض استوعب الأغلبيّة، أو بالأحرى، لم يبق إلاّ قليل، حتّى يستوعبها.
وعليه، من المستبعد جدًّا أن يكون العالِم حليمًا؛ ولهذا، لدينا في العديد من الروايات أنّ العالم هو الذي يمزج علمه بحِلمه؛٢ أي يصير علمُه حلمَه، وحلمُه علمَه.
يقول أمير المؤمنين عليه السلام في صفات المتّقين:
«يَمزُجُ العلمَ بِالحلمِ»؛٣ «أي أنّ المتّقين هم الذين يمزجون (وليس يخلطون) العلمَ بالحلم».
فتارةً، تجمعون بين الحمّص والفاصوليا، فيُقال لذلك: خلطٌ، حيث يكون بوسعكم بعد ذلك الفصلُ بينهما؛ وتارةً أخرى، تجمعون بين الخلّ والعسل، فتحصلون على شراب السكنجبين؛ وهنا لا يُمكنكم أن تفصلوا بينهما، ويُقال لهذا التركيب: تركيب مزجيٌّ؛ أي: حينما ينفذ الخلّ في باطن العسل، وينفذ العسل في باطن الخلّ، ويصيران شيئًا واحدًا، فإنّه يُطلق على هذا التركيب اسم التركيب المزجيّ.
- المراد من الحليم هنا ذلك الطعام الإيرانيّ الخاصّ الذي يُقابله عند العرب: الهريسة. المعرّب
- على سبيل المثال، جاء في كتاب العلم والحكمة في الكتاب والسنّة للريشهريّ، ص ٣۸۰: عن الإمام علي عليه السلام في صفة المتّقين: «يمزج الحلم بالعلم والقول بالعمل»، وعنه عليه السلام: «لا علم لمن لا حلم له»، وعنه عليه السلام: «يحتاج العلم إلى الحلم»، وعنه عليه السلام: «وقار الحلم زينة العلم».
- نهج البلاغة (عبده)، ج ٢، ص ۱٦٣.
