
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
أيّة علاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب؟ وما هي عاقبة كلّ من حُسن وسوء الظنّ بالله تعالى؟ كيف يكون الستر الإلهيّ على الإنسان العاصي عظيمًا؟ وما هي الأهمّية التي يحظى بها مزج العلم بالحلم؟ ما هي حقيقة العفو؟ ولأيّ شيء يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ وكيف يُحوّل السترُ الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
5ففي ذلك العالم، تنطق كافّة الأشياء، فتُظهر السرائرَ والخفيّات بلسانٍ فصيح.
وبعد ذلك، يأتي الخطاب:
﴿وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللَّهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ ، وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.۱
فيجئ الخطاب من ملائكة الله تعالى إلى الإنسان: إنّك لا تملك القدرة على أمرِ اليد والرجل والعين والجلد بأن: اكتمي عليّ ذنوبي! فهكذا قدرة لا تليق بك أنت، حتّى تتمكّن هنا من إخفاء هذه الذنوب وراء الستار والغطاء؛ غاية الأمر أنّك كنت تظنّ في دار الدنيا أنّ الله تعالى غير مطّلع على العديد من الأفعال التي قمتَ وتقوم بها؛ وقد أرداك هذا الظنّ بالله تعالى، وأهبطك إلى مقام ردئ (أي دنيّ)، وأهلكك، ﴿فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾؛ فتبيّن في الأخير أنّك من الخاسرين.
ففي هذه الآية، مع أنّ الملائكةَ عدّتِ الإنسانَ من الخاسرين بناءً على شهادة الجوارح والأعين والآذان والجلود عليه بالمعصية، إلاّ أنّها لم تقل في خطابها له: بما أنّ [هذه الجوارح] شهدت بالمعصية، وقد عصيتَ بواسطة هذه العين والأذن وهذا الجلد، فأنت الآن من الخاسرين، بل قالت: إنّ شهادة العين والأذن والجلد والجوارح تدلّ على أنّك كنت تظنّ أنّ الله تعالى غير مطّلع على العديد من أفعالك وغير عالم بها؛ وهذا الظنّ هو الذي أهلكك!.
وعليه، فإنّ المعاصي تُؤدّي إلى سوء الظنّ بالله تعالى؛ وسوء الظنّ هذا هو الذي يُلقي الإنسان في أتون النار؛ ومن هنا، إذا كان سوء الظنّ بالله يكبّ الإنسان في جهنّم، فإنّ ضدّه ـ أي حسن الظنّ به تعالى ـ يُنجيه منها؛ وبالتالي، إن امتلك هذا الإنسان لحسن الظنّ بربّه، فإنّ حسن الظنّ بذاته سيُفضي إلى تكفير ذنوبه وغفران سيّئاته.
وبمقتضى هذه القاعدة بعينها، وعدَ اللهُ تعالى، وكتب على نفسه أن يعفو عن الذين يُحسنون الظنّ به.
ولهذا، نجد الإمام عليه السلام يُحسن الاستفادة من الفقرة التالية: «مُتَنجِّزٌ ما وَعَدتَ مِن الصفحِ عَمَّن أحسَنَ بِكَ ظَنًّا»؛ أي أنّني متشبّثٌ بهذه المسألة؛ لكن، أيّة مسألة؟ إنّها عبارة عن الوعد الذي قطعته بأن تغضّ الطرف عن الذين أحسنوا الظنّ بك، وتتجاوز عن ذنوبهم.
- سورة فصّلت، الآيتان ٢٢ و٢٣.
