
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
أيّة علاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب؟ وما هي عاقبة كلّ من حُسن وسوء الظنّ بالله تعالى؟ كيف يكون الستر الإلهيّ على الإنسان العاصي عظيمًا؟ وما هي الأهمّية التي يحظى بها مزج العلم بالحلم؟ ما هي حقيقة العفو؟ ولأيّ شيء يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ وكيف يُحوّل السترُ الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
4وعندما قارفتُ ذنبًا في موضع الخلوة، فإنّ هذا الموضع كان خلوةً بالنسبة إليّ أنا، وأمّا بالنسبة إليك، فلم يكن خلوةً؛ لأنّ عالم الوجود بأسره على مرأى ومنظر منك، وهو واقع أمامك؛ ولهذا، حينما عصيتُك، فإنّ ذلك تحقّق في محضرك؛ وحينئذ، متى ما فررت من المعاصي، فإنّني أفرّ [في الحقيقة] منك، وأتوجّه إليك؛ أي أنّني أهرب منك إليك.
عاقبة كلّ من حسن وسوء الظنّ بالله تعالى
«مُتَنجِّزٌ ما وَعَدتَ مِن الصفحِ عَمَّن أحسَنَ بِكَ ظَنًّا»، حيث يُراد من الصفح: العفو والتغاضي؛ فأنتَ وعدت أن تتغاضى عن الذين يُحسنون بك الظنّ، وتغضّ الطرف عن ذنوبهم، وتعفو عنهم؛ وأنّا متنجّزٌ بالنسبة لهذا الأمر.
أي أنّني راسخ وثابت على هذا الكلام، ولن أتزعزع عنه أبدًا، وأنا متشبّثٌ به! فالتنجيز يقع في مقابل التعليق؛ فالمعلَّق هو الشيء المهزوز في الفضاء الذي لا يتّكئ على موضع ثابت ولا يستند إليه؛ نظير الشيء الذي يُعلّقه الإنسان [على الحائط مثلاً]، حيث نجده يتحرّك حينما يُلمس أو تهبّ عليه الريح؛ فهذا الذي يُقال له: المعلّق؛ بخلاف الشيء الذي يكون قائمًا على الأرض، فإنّه يُسمّى بالثابت والمنجَّز؛ أي الراسخ والمتين.۱ «مُتَنجِّزٌ ما وَعَدتَ»؛ أي أنّني ثَبَتُّ على ما وعدتَ به، وتشبّثُ بهذا الكلام؛ فأنت وعدتَ بأن تعفو عن الذين أحسنوا الظنّ بك، وأنا أخذت بهذا الكلام؛ مع العلم أنّني أيضًا أحسنتُ ظنّي بك؛ فأنا أخذت بهذا الكلام، ولن أتخلّى عنه؛ وأنت وعدتَ، وأنا تشبّثتُ بهذا الوعد.
ولدينا آية كريمة في سورة فصّلت جاء فيها أنّه: حينما يرد الناس على صحراء المحشر، فإنّ الأيدي والأرجل والجوارح والجلود والأعين تشهد ـ في مقام العجز ـ على الأعمال التي ارتكبها الإنسان:
﴿حَتَّىٰ إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾.٢
أي: سيأتي يوم، وتشهد الأيدي والأرجل والجلود والأعين و... على الأعمال التي ارتكبها الإنسان في دار الدنيا
﴿وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ﴾.٣
وآنذاك، سيلتفت الإنسان إلى يده ورجله وعينه وجلده، ويقول: كيف لكم أن تشهدوا ضدّي وأنتم منّي؟! يا يدي، ويا عيني، ويا جلدي؛ لماذا تشهدون ضدّي؟! فتُجيبه هذه الأعضاء والجوارح: إنّ الله تعالى الذي أنطق كلّ شيء هو من أنطقنا!.
- كتاب العين، ج ٦، ص ۷۱، مادّة «نجز»: «نَجَزَ الوعدُ والحاجةُ يَنجُزُ نَجزًا وأنجَزتُهُ وأنجَزتُ به؛ أي عَجَّلتُ ووَفَيتُ به،... والتنجُّزُ: طلَبُ شيءٍ قد وُعِدتَهُ».
لسان العرب، ج ٥، ص ٤۱٣، مادّة «نجز»: «واستَنجَزَ العِدَةَ والحجزَ والحاجةَ وتَنَجَّزَه إيّاها: سَأَلَهُ إنجازَها واستَنجَحَها». - سورة فصّلت، الآية ٢۰.
- سورة فصّلت، الآية ٢۱.
- كتاب العين، ج ٦، ص ۷۱، مادّة «نجز»: «نَجَزَ الوعدُ والحاجةُ يَنجُزُ نَجزًا وأنجَزتُهُ وأنجَزتُ به؛ أي عَجَّلتُ ووَفَيتُ به،... والتنجُّزُ: طلَبُ شيءٍ قد وُعِدتَهُ».
