
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
أيّة علاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب؟ وما هي عاقبة كلّ من حُسن وسوء الظنّ بالله تعالى؟ كيف يكون الستر الإلهيّ على الإنسان العاصي عظيمًا؟ وما هي الأهمّية التي يحظى بها مزج العلم بالحلم؟ ما هي حقيقة العفو؟ ولأيّ شيء يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ وكيف يُحوّل السترُ الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
2أعوذ بالله مِن الشّيطان الرجيم
بسم الله الرحمن الرحيم
وصَلَّى اللَهُ على محمّدٍ وآلِهِ الطاهِرينَ
ولَعنةُ اللَهِ على أعدائِهِم أجمَعينَ
العلاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب
"عَظُمَ يا سَيِّدي أمَلي وساءَ عَمَلي، فَأَعطِني مِن عَفوِكَ بِمِقدارِ أمَلي، ولا تُؤاخِذني بأَسوَأ عَمَلي؛ فَإِنَّ كَرَمَكَ يَجِلُّ عَن مُجازاةِ المـُذنِبينَ، وحِلمَكَ يَكبُرُ عَن مُكافاةِ المـُقَصِّرينَ"؛
يقول عليه السلام: حينما توجّهت إليك الآن، فقد توجّهت إليك وخطاياي جسيمة، وحيائي وتقصيري تجاهك كبير جدًّا؛ فهذا هو الذي أراه صدر منّي أنا؛ وأمّا الأمر المكنون في داخلي تجاهك، فهو الأمل الكبير، والرجاء العظيم جدًّا؛ فهذا هو الذي أشعره به في نفسي تجاه ساحة مقامك المقدّس؛ فطبقًا للمعرفة التي حصلت لي بك، فإنّك جليل وكريم ورحيم وعظيم؛ ولهذا، فقد عقدتُ أملي عليك، وعلّقت قلبي بك؛ وبالتالي، فقد صار رجائي كبيرًا جدًّا؛ لأنّ هذا الرجاء يتمثّل في لقائك والوصول إليك، والفناء في ذاتك المقدّسة؛ وهذا أمر مهمّ جدًّا!
فهذه المسألة المهمّة مكنونةٌ في نفسي؛ غاية الأمر أنّها نابعة منك أنت؛ إذ لأنّك عظيم، فإنّ إشراق هذه العظمة على قلبي فرض عليّ أن أجعل الوصول إلى مقام لقائك أملي وهدفي ومرادي؛ وأمّا الذي أراه من نفسي أنا؛ فهو أنّني لا أملك أيّ شيء، سوى العمل السيّء؛ ولهذا، فإنّني أسألك أن تعفو عنّي بمقدار الأمل العظيم الذي أتوفّر عليه.
وحينئذ، فإنّ جميع معاصيّ وسيّئاتي وذنوبي ستُمحى وتُذرى؛ لأنّ أملي عظيم وقويّ؛ ومتى ما تحقّق هذا الأمل، فلن يبقى هناك ـ في ذلك المقام من التحقّق ـ معنى لأيّ ذنب أو معصية؛ وذلك لأنّ سوء الظنّ بالله من المعاصي الكبيرة؛ وبالعكس، فإنّ حُسن الظنّ به تعالى أعظم باب للرحمة والسعادة بالنسبة للإنسان؛۱ فكما أنّه إذا كان لأحد سوء ظنّ بالله، فإنّ ذلك يستجلب المعاصي بأجمعها، فكذلك إذا كان له حُسن ظنّ به تعالى، فإنّ جميع ذنوبه ستُمحى.
فالمعصية هي السيّئة التي يرتكبها الإنسان في كلّ مرتبة من المراتب وكلّ منزل من المنازل؛ فإذا تمكّن الإنسان من عبور أحد هذه المراحل، والوصول إلى مقام أعلى، واجتازَ درجة من درجات الأنانيّة والعُجب، وبلغ مرحلة معيّنة من مقامات التوحيد، فإنّ كافّة المعاصي التي ارتكبها في المراحل السابقة ستُمحى وتفنى وتضمحّل بصورة تلقائيّة؛ لأنّ قدرة مقام التوحيد وعظمته لا تسمحان في تلك الدرجة من التوحيد ببقاء المعاصي المرتكبة في الدرجات الأدنى.٢
- للاطّلاع على مسألة حسن الظنّ وسوء الظنّ بالله تعالى، راجع: الكافي، ج ٢، ص ۷۱.
- لمزيد من الاطّلاع على مسألة أنّ العروج في مراتب التوحيد سببٌ لغفران للذنوب راجع: أنوار الملكوت، ج ۱، ص ۱٢٩.
