
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
أيّة علاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب؟ وما هي عاقبة كلّ من حُسن وسوء الظنّ بالله تعالى؟ كيف يكون الستر الإلهيّ على الإنسان العاصي عظيمًا؟ وما هي الأهمّية التي يحظى بها مزج العلم بالحلم؟ ما هي حقيقة العفو؟ ولأيّ شيء يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ وكيف يُحوّل السترُ الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
13يا من يغفر ذنوبي، يا من يقبل توبتي، يا من عطاؤه جليل وإنعامه عظيم، يا من إحسانه وتفضّله في حقّ عباده ليس بالأمر الجديد، بل هو قديم الإحسان؛ أي أنّ هذا الاسم كان يتّصف به منذ القديم.. يا قديم الإحسان!
«أَيْنَ سَتْرُكَ الْجَمِيلُ؟ أَيْنَ عَفْوُكَ الْجَلِيلُ؟ أَيْنَ فَرَجُكَ الْقَرِيبُ؟ أَيْنَ غِيَاثُكَ السَّرِيعُ؟ أَيْنَ رَحْمَتُكَ الْوَاسِعَةُ؟ أَيْنَ عَطَايَاكَ الْفَاضِلَةُ؟ أَيْنَ مَوَاهِبُكَ الْهَنِيئَةُ؟ أَيْنَ صَنائِعُكَ السَّنِيَّةُ؟ أَيْنَ فَضْلُكَ الْعَظِيمُ؟ أَيْنَ مَنُّكَ الْجَسِيمُ؟ أَيْنَ إِحْسَانُكَ الْقَدِيمُ؟ أَيْنَ كَرَمُكَ يَا كَرِيمُ؟»
كيفيّة تحويل الستر الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال
إلهي! إن كنتَ بهذا النحو، فذلك راجع إليك أنت؛ لكن ما عساي أن أفعل؟! فأنا المسكين! فحينما عدّدتُ لك كلّ تلك الصفات، وقلتُ عنك: إنّك معشوق، وعيناك كذا، وعِقد أسنانك كذا، وقامتك مثل شجرة سرو في بستان و...، فإنّ هذا صحيح بأجمعه؛ غير أنّ مركز الجمال هذا لا يرضى بإلقاء نظرة واحدة على هذا العاشق؛ وحينئذ، ما عساه أن يفعل هذا المسكين؟!
فتعال، وامدح الله تعالى باستمرار، لكن، بماذا سيُفيدك هذا المدح؟! ولهذا، على الإنسان أن يقول: «أينَ سترُكَ الجميل؟»؛ أي أنّني أريدك أن تسترني، لكن استرني جيّدًا! فأنت ستّار وساتر؛ غاية الأمر أنّ الستّارية والستر يتحقّقان بعدّة أنحاء؛ أحدها: بنحوٍ قبيح؛ أي أن يُستَر الذنب بصورة قبيحة؛ وذلك بأن يُستر القبيح بقبيح آخر؛ نظير الطوب والملاط الذي يكون في الحائط، ويُطلى ـ من أجل تغطيته ـ بالزفت عوضًا عن الجصّ والطلاء والصباغة؛ فصحيح أنّ قبح الطوب والملاط الموضوع على الواجهة قد غُطّي وسُتر، لكنّه غُطّي بشيء مثله [في القبح]!
وفي هذه الحالة، إذا أراد الإنسان ستر هذه الأمور بشيءٍ جميلٍ، فما الذي عليه فعله؟ عليه طلي ذلك الطوب بطبقة من الطين والقشّ، ثمّ يضع فوق هذه الطبقة طبقة من الجصّ؛ وبعد ذلك، يذهب عند الصبّاغ، ويقول له: «تعال يا سيدّي، لتصبغ لي الجدار»؛ ونعوذ بالله تعالى من أن نُبتلى بهذا الأمر، حيث يكون هذا الموضع، موضع ظهور حلم الله تعالى!!! فيستلم ذلك الصبّاغ مهمّته، ولا يفرغ منها إلاّ بعد مرور شهرين! فيصبغ أوّلاً، ويدهن الأسفل بالزيت، ويصقل الحائط بالصنفرة، ويملأ الشقوق بالمعجون، ويدهن السطح، ويضع الطلاء الأساس، ويغيب يومًا، ويأتي يومًا آخر!! وعندئذ، يصبح لدينا سترٌ جميل؛ فحينما ينظر الإنسان إلى الغرفة، يتعجّب من هذه الصباغة، بحيث إنّ صورته تنعكس بكلّ وضوح [على الحائط]؛ هذا، ويُكره للإنسان أن يضع أمامه مرآة حينما يريد أداء الصلاة؛۱ وحينئذ، أيّة صلاة سيُؤدّيها أمام هذه الجدران التي صبغها بكلّ هذا اللطف؟! وذلك لأنّها على درجة من الجمال، بحيث إنّ صورته ستنعكس فيها!
- وسائل الشيعة، ج ٥، ص ۱۷۰ ـ ۱۷٤.
