
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
أيّة علاقة بين الأمل بالله تعالى وغفران الذنوب؟ وما هي عاقبة كلّ من حُسن وسوء الظنّ بالله تعالى؟ كيف يكون الستر الإلهيّ على الإنسان العاصي عظيمًا؟ وما هي الأهمّية التي يحظى بها مزج العلم بالحلم؟ ما هي حقيقة العفو؟ ولأيّ شيء يتجرّأ الإنسان على ارتكاب الذنوب؟ وكيف يُحوّل السترُ الإلهيّ قُبحَ الإنسان إلى جمال؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
حقيقة الستر الإلهيّ لعبده العاصي
10فالعالم والمتّقي هو الذي يمزج العلم بالحلم، فيضع علمه مع حلمه في المهراس، ويدكّهما معًا، حتّى يصيرا شيئًا واحدًا؛ غير أنّ هذا الأمر صعب جدًّا، وأنتم غير مطّلعين على مقدار صعوبته؛ فأن يُدكّ جبل أبو قبيس على رأس أحدهم أهون عليه من أن يمزج العلم بالحلم! هل التفتّم؟!
«فَلَكَ الحَمدُ عَلى حِلمِكَ بعدَ عِلمِكَ»؛ أي أنّ الحمد مختصّ بك أنت على أنّه: مع علمِك بكافّة نقاط وزوايا الضعف في نيّاتنا. ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾،۱ واطّلاعِك المباشر على أعيننا الخائنة التي تُلقي النظر خُفيةً على امرأة أجنبيّة من دون أن يعلم أحدٌ بذلك، بحيث تكون مراقبتُك ودقّتك أكبر إلى هذه الدرجة؛ لكن، مع ذلك، فإنّ حلمك قد حلّ، واستوعب هذا العلم بأجمعه؛ فأنت عالم وحليم!
بيانٌ لحقيقة العفو
«وعَلَى عَفوِكَ بعدَ قُدرتِكَ»؛ فقد يلجأ الذي لا يتوفّر على قدرةٍ إلى العفو؛ كأن يأتي مثلاً قائدُ الشرطة، ويصفع أحدهم في الشارع على وجهه، فيقول هذا الأخير: يا سيّدي، لقد عفوتُ عنكَ؛ حسنًا، فلو أنّك لم تعف عنه، فما الذي كان بوسعك أن تفعله؟! كنتَ ستتلقّى صفعةً أخرى! فلكيلا يُصفع ثانيةً، توجّب عليه القول: عفوتُ عنكَ؛ وهذا ليس عفوًا، بل قلّة حيلة، ووجع قلب! فالعفو يصحّ من الذي يكون قادرًا عليه؛ أي: عليه أن يكون مالِكًا للعفو؛ وحينئذ، يقول: عفوتُ عنكَ؛٢ فمالكُ العفو هو الذي يمتلك القدرة على الانتقام، بحيث إذا صفعه أحد، يكون قادرًا على مقابلته فورًا بصفعة، لكنّه يقول: لن أصفعك، فقد عفوت عنك؛ فهذا يكون عفوًا؛ وذلك نظير الصبر الذي يُبديه من ارتحل أحد أحبّته عن دار الدنيا، فيقول: سأصبر على قضاء الله تعالى!.
فالصبر يصحّ من الذي يكون في موقفٍ يُخيّر فيه في أمر وفاة ذلك الحبيب وفقده، فيقول: أنا راضٍ حتّى بفقده؛ وهذا هو معنى الصبر؛ لا أن يقول بعدما كُسر الزجاجُ [مثلاً]، وسُكب زيتُ المصباح: سأجعله وقفًا على ضريح ابن الإمام، وأصبر! وهنا، نجدهم يقرؤون هذا البيت الشعريّ:
در كف شير نر خون خواره اى *** جز به تسليم و قضا كو چاره ای؟٣ - سورة غافر، الآية ۱٩.
- تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ص ٢٤٦: قال أميرُ المؤمنين عليه السلام: «أحسنُ العفوِ ما كانَ عَن قُدرةٍ»
- المثنوي المعنوي، الكتاب السادس:[يقول: لا مناص من التسليم والرضا في قبضة الأسد السفّاك للدماء]
جز كه تسليم ورضا كو چاره ای *** در كف شير نرى خون خواره اى
