
المعرفة والمحبّة جناحا الداعي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان معنى حقّانية قول الله تعالى وصدق وعده، وجريان هذين الأمرين في حقّ عباده، ثمّ تحدّث عن وقوع كافّة الموجودات تحت رعاية الرحمة والعطاء الإلهيّين، وبيّن أنّ التحليق في سماء المعرفة الإلهيّة متوقّف على جناحي المعرفة والمحبّة، وأنّ المعرفة والمحبّة النابعتين من الله تعالى لا من النفس هما اللتان تحظيان بالقيمة، مشيرًا إلى أنّ دعوة الله تعالى لعبده متقدّمة على دعاء عبده له؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ الله تعالى أفضل من كافّة المدعوّين والمرجوّين.
المعرفة والمحبّة جناحا الداعي
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان معنى حقّانية قول الله تعالى وصدق وعده، وجريان هذين الأمرين في حقّ عباده، ثمّ تحدّث عن وقوع كافّة الموجودات تحت رعاية الرحمة والعطاء الإلهيّين، وبيّن أنّ التحليق في سماء المعرفة الإلهيّة متوقّف على جناحي المعرفة والمحبّة، وأنّ المعرفة والمحبّة النابعتين من الله تعالى لا من النفس هما اللتان تحظيان بالقيمة، مشيرًا إلى أنّ دعوة الله تعالى لعبده متقدّمة على دعاء عبده له؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ الله تعالى أفضل من كافّة المدعوّين والمرجوّين.
المعرفة والمحبّة جناحا الداعي
7ومن هنا، فإنّ المحبّة ضروريّة لقضاء الحاجات؛ بل ومن دونها، لا يستطيع هذا الطائر التحليق بتاتًا في سماء المعرفة الإلهيّة؛ إذ سيكون آنذاك له جناح واحد؛ في حين أنّ الطائر لا يُحلّق بجناح واحد، بل يحتاج إلى جناحين: جناح المعرفة وجناح المحبّة؛ ولهذا، فإنّ محبّتي لك شفيعي إليك، وانتهى الأمر!
نفاسة المعرفة والمحبّة النابعتين من الله تعالى لا من النفس
وتوجد هنا مسألة أخرى هي بمثابة "اللمسة الأخيرة" في هذا المعنى؛ ألا وهي عبارة: «وَأَنَا وَاثِقٌ مِنْ دَلِيلِي بِدَلالَتِكَ وَسَاكِنٌ مِنْ شَفِيعِي إِلَى شَفَاعَتِك»؛ ومفادها أنّ معرفتي بك ـ يا إلهي ـ لم آت بها من عند نفسي، حتّى تقول لي: «إنّ هذه المعرفة حصلتَ عليها بنفسك، فهي متعلّقة بك أنت؛ وبالتالي، فإنّها لا تحظى بأيّة قيمة؛ لأنّ كلّ ما يخصّك أنت، هنيئًا لك به! فما الذي تُريده منّي أنا؟! لقد توصّلتَ إلى معرفتي، غير أنّ ذلك حصل بواسطة فكرك وجُهدك وتعبك ورياضتك الاعتباطيّة؛ وهي أمور تخصّك أنت!»؛ كما أنّني أيضًا أحبّك، لكنّ هذه المحبّة لم آت بها من عند نفسي؛ وإلاّ، لقلتَ لي أيضًا: «إنّ المحبّة التي أتيت بها من عند نفسك لا فائدة منها»؛ وحينئذ، لن تقبل بمعرفتي، ولا بمحبّتي؛ كلاّ! فأنا التفتُّ هنا إلى مسألة لطيفة؛ وهي: «أَنَا وَاثِقٌ مِنْ دَلِيلِي بِدَلالَتِكَ»؛ فأنا واثق من معرفتي بك، وبهذه المعرفة التي تدلّني عليك بدلالتك أنت، لا بدلالتي أنا؛ أي أنّ دلالتك شملتني، ومعرفتي صارت دليلي عليك، حيث جاءت دلالتك، وعمّتني، فحصلت لي المعرفة [بك]؛ وبالتالي، فإنّ هذه المعرفة التي حصلت لي، لم تحصل منّي أنا، بل منك أنت؛ فأنت الذي أعملتَ إرادتك، وأوجدت فيّ المعرفة؛ فساقتني هذه المعرفة ـ بواسطة دلالتك ـ نحوك.
وأنا أيضًا «سَاكِنٌ مِنْ شَفِيعِي إِلَى شَفَاعَتِك»؛ فقلبي ساكن وهادئ من هذا الشفيع الذي أملكه، وأنّك لن تردّ شفيعي هذا ـ وهو المحبّة ـ ، وتقول: «لن أقبل شفاعة هذا الشفيع!»؛ لأنّك أنت الذي جعلت لي هذا الشفيع، وزرعت بذرة محبّتك في قلبي؛ وحينئذ، كيف يُمكن أن تقول: «لا أقبل به»؟! فلو كنتُ أنا الذي غرستُ هذه البذرة، لقلتَ لي: «أنا لا أرتضي هذا البطّيخ الذي نتج من تلك البذرة؛ لأنّه غير حلو؛ فمع أنّه حلو بالنسبة إليك، إلاّ أنّه ليس حلوًا بالنسبة إليّ»؛ لكن، إذا كنت أنتَ الذي زرعت هذه البذرة، فكيف يُمكنك أن تقول عنها: «لا أقبل بها»؟! فهذا غير ممكن، وغير معقول بتاتًا! ولهذا، فإنّ قلبي ساكن، ونفسي مطمئنّة من هذا الشفيع الذي قدّمتُه بين يديك؛ ألا وهو محبّتي لك.. «إلى شفاعتك»؛ أي: إلى أنّك زرعت هذه الشفاعة ـ وهي المحبّة ـ في قلبي عن طريق شفاعتك أنت؛ أي إعانتك ومحبّتك. وعليه، فإنّ الشفاعة والدلالة صدرتا من لدنك أوّلاً، ثمّ عمّتاني، حيث نقرأ أيضًا في دعاء الصباح:
