
المعرفة والمحبّة جناحا الداعي
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان معنى حقّانية قول الله تعالى وصدق وعده، وجريان هذين الأمرين في حقّ عباده، ثمّ تحدّث عن وقوع كافّة الموجودات تحت رعاية الرحمة والعطاء الإلهيّين، وبيّن أنّ التحليق في سماء المعرفة الإلهيّة متوقّف على جناحي المعرفة والمحبّة، وأنّ المعرفة والمحبّة النابعتين من الله تعالى لا من النفس هما اللتان تحظيان بالقيمة، مشيرًا إلى أنّ دعوة الله تعالى لعبده متقدّمة على دعاء عبده له؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ الله تعالى أفضل من كافّة المدعوّين والمرجوّين.
المعرفة والمحبّة جناحا الداعي
الوصف:
في هذه المحاضرة التي عقدها سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ، سعى بدايةً إلى بيان معنى حقّانية قول الله تعالى وصدق وعده، وجريان هذين الأمرين في حقّ عباده، ثمّ تحدّث عن وقوع كافّة الموجودات تحت رعاية الرحمة والعطاء الإلهيّين، وبيّن أنّ التحليق في سماء المعرفة الإلهيّة متوقّف على جناحي المعرفة والمحبّة، وأنّ المعرفة والمحبّة النابعتين من الله تعالى لا من النفس هما اللتان تحظيان بالقيمة، مشيرًا إلى أنّ دعوة الله تعالى لعبده متقدّمة على دعاء عبده له؛ ليخلص في الأخير إلى أنّ الله تعالى أفضل من كافّة المدعوّين والمرجوّين.
المعرفة والمحبّة جناحا الداعي
12ولنفرض أنّ هناك بيداء عاش فيها مجموعة من الناس، وألقوا فيها الأوساخ والقاذورات لفترة طويلة، وجعلوا أوضاعها سيّئة؛ إلى درجة أنّه متى ما شعّت الشمس، فإنّها تسطع على هذه الأوساخ، فتتعفّن، ولا يعود الإنسان قادرًا على المشي فيها؛ لكن، ما إن تبرز سحابة في السماء، وتسقط بعض الأمطار، فتغسل الأرض، حتّى تصير تلك البيداء معشوشبة وخضراء ونقيّة، فينقطع بعد ذلك المطر، وينجلي السحاب؛ وهذا هو حال كرم الله تعالى ورحمته حينما يحلاّن بشيء، ويغسلانه، ولا يُبقيان فيه أيّة أوساخ، بحيث أينما تجوّلتم في البيداء [مثلاً]، لتنظروا إلى تلك المنازل الأولى والمحالّ التي كانت في السابق حبيسَةَ التعيّنات والهويّات المادّية والشخصيّة، فلن تجدوا بتاتًا أيّ أثر لهذه الهويّات؛ لأنّها ستكون قد اندكّت في الذات الإلهيّة المقدّسة، فلم يبق هناك سوى الوجود المطلق لواجب الوجود على الإطلاق! فمن ناحية، حينما أنظر إلى كرمك، أجده واسعًا جدًّا إلى درجة أنّك تقول: مهما كانت المعصية التي ارتكبتها، [فلا يهمّ]، لكن لا تُعد إليها، بل حتّى لو قتلت سبعين نبيًّا!
ـ يا رسول الله، هذا هو ذنبي، فهل يُغفر لي؟ يقول الرسول: إذا تُبت حقًّا، يُغفر لك.
ـ (والأكثر من ذلك) يا رسول الله، إنّ ذنبي أكبر من الجبال! يقول الرسول: وإن كان كذلك، فإنّ الله يغفره.
ـ يا رسول الله، إنّ ذنبي أكبر من الأرض! وإن كان كذلك، فإنّ الله يغفره.
ـ يا رسول الله، إنّ ذنبي أكبر من العرش!۱
فما معنى هذا الكلام؟! إذ حينما يأتي ذلك الكرم، فلن يبقى هناك أيّ ذنب!
فعندما أنظر إلى المعاصي، أراها منّي أنا؛ فنحن نظنّ أنّه بعدما قضينا عمرًا مديدًا في التحصيل، وبذل الجهد، وتكديس هذه الثروات في كشكولنا وحقيبتنا، أنّها تضمّ بلبلاً وطائرًا كناريًا وحمامًا وطائرًا قمريًا وببّغاء؛ لكن، حينما نريد تسليمها لله تعالى، والعبور من الجمارك، ويلجؤون إلى تفتيش ذلك الكشكول، فإنّهم يرون أنّ ثعبانًا قد قفز إلى السماء، وأنّ العقارب تتحرّك في تلك الجهة، ثمّ تدبّ خارجًا، وتخرج الأفاعي من الجهة الأخرى، والتنانين من ذلك الطرف، والسحالي من الطرف الآخر، والفئران البريّة من هذا الطرف؛ يا للعجب! فنحن كنّا نخال أنّ هذا الكشكول يضمّ أشياء ذات قيمة، وأنّه يحتوي بأجمعه على ببّغاوات وطيور كناري وبلابل؛ فلماذا صار الأمر بهذا النحو؟! كلاّ! لقد كانت هذه القاذورات موجودة هناك منذ البداية؛ غاية الأمر أنّ الإنسان يُحبّ نفسه إلى درجة أنّ كلّ ثعبان وعقرب خزّنهما فيها يُلبسهما لباسًا حسنًا، ثمّ يعتبرهما ببّغاءً وبلبلاً و...؛ لكن، حينما تسطع شمس الحقيقة، ويذوب [الظاهر]، وتبرز البواطن، وتنكشف الخفايا والأسرار، يتّضح آنذاك ما كان موجودًا في حقيبة الإنسان! وفي ذلك الحين، يتحسّر الإنسان ويقول: «ماذا جمعت هنا؟ وما الذي أريد أن أحمله معي إلى الله تعالى؟».
- الأمالي، الشيخ الصدوق، ص ٤٣.
