
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
هل تتعارض المطالب والأصوات المرفوعة إلى الله تعالى؟ وكيف يستجيب الله تعالى لداعيه ومستعينه؟ ومع جود الله تعالى كرمه، هل يحتاج الإنسان إلى اللجوء لغيره؟ وهل الطريق الله تعالى بحاجة إلى قطع مسافة طويلة؟ أ يُمكننا القول: إنّ الله محتجب عن عباده؟ وهل إنّ استجابته تعالى لدعاء الإنسان راجعة لاستحقاقه؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
6كيفيّة استجابة الله تعالى لداعيه وإعانته لمستعينه
«ومَناهِلَ الرَّجاءِ إلَيكَ مُترَعَةً»؛ (تَرَع: يعني امتلأَ؛ وتُطلق التُرعة على القناة التي تُحفر ليجري فيها الماء، أو تُحفر بين بحرين أو نهرين توجد بينهما فاصلة، ويُراد الوصل بينهما؛ فالتُرعة تأتي بمعنى القناة المملوءة والطافحة بالماء. والمناهل: جمع مَنهل؛ أي الطريق)؛ وبالتالي، فإنّ مناهل الرجاء تعني طُرق الرجاء؛ أي أنّ طُرق الرجاء إليك مفتوحة، ومملوءة وطافحة بماء الرحمة.
والمراد من ذلك أنّ كلّ من يُريد أن يأتي إليك من باب الرجاء، فإنّ الطريق الذي يسلكه يكون طافحًا بالماء، وليس جافًّا، ولا مُلتهبًا؛ كما أنّ عاقبته لا تكون هي العطش والضنك والتعب؛ فتراه يمشي في مياه الرحمة منذ أوّل خطوة يخطوها، إلى آخر مسافة يقطعها؛ فيوصل إليك طلبه ومسألته، ويُستجاب عند بابك رجاؤُه وأملُه.
«والِاستِعانَةَ بِفَضلِكَ لِمَن أمَّلَكَ مُباحَةً»؛ (الاستعانة تعني طلب العون؛ والفضل يعني الرحمة؛ والأمل هو بمعنى الرجاء؛ فأمّلك يعني رجاك؛ ومباح يعني ظاهر؛ لأنّ بَاحَ يبوحُ يعني: ظَهَر يَظهَر، وأباحَ يُبيح: أظهر يُظهر)؛ وبالتالي، يُراد من هذه العبارة: إنّ الاستعانة بفضلك لمن أمّلك ورجاك ظاهرة ولا خفاء فيها بتاتًا!.
فكلّ من يرغب في الوصول إليك، ويأمل لقاءك، ويرجو وصلك عليه الاستعانة بفضلك واستمداد العون منك، لا من غيرك؛ فحينئذ، سيعمّه فضلك، ليطوي الطريق بالاستعانة به، فيصل إلى الهدف المنشود.
«وأبوابَ الدُّعَاءِ الَيكَ للِصّارِخينَ مَفتُوحَةً»؛ فأبواب الدعاء والطلب إليك مفتوحةٌ دائمًا بالنسبة للذين يصيحون ويرفعون أصواتهم لك (فالصرخة تعني الصيحة)، فلا تُغلق أبدًا!.
«وأَعلَمُ أنَّكَ للراجين بِمَوضِع إجابَةٍ، ولِلمَلهوفِينَ بِمَرصدِ إغاثةٍ»؛ وأنا أعلم، ولي يقين بأنّك في موضع الإجابة بالنسبة للذين يرجونك، وأنّك في محلّ ومرصد الإعانة والإغاثة بالنسبة للذين لحقتهم بليّة، وأصابتهم حسرة ولهفة.
لاحظوا معي؛ في بعض الأحيان، قد تكون للإنسان حاجة عند أحدهم، فيذهب إليه لكي يطلب منه حاجته، لكنّه لا يجده؛ فيسأل عنه شخصًا ما، فيُرشده إلى مكان معيّن؛ وحينما يبحث عنه هناك، لا يعثر عليه؛ فيسأل شخصًا آخر، فيدلّه على طريق معيّن؛ وعندما يسلك الإنسان هذا الطريق، يفقده أيضًا فيه؛ وحينئذ، يسأل شخصًا آخر، لا الشخص الأوّل، حيث يُراد هنا الأشخاص الآخرين الذين يعثر عليهم الإنسان لكي يوصلوه إلى الشخص الأوّل؛ فيضيع في هذه المتاهات لدرجة أنّه يتخلّى عن أصل مسألته بسبب الإرهاق والمعاناة؛ ومن المعروف أنّ الذين يُبتلون بالذهاب إلى المحاكم وأمثال ذلك يتخلّون عن أصل دعاويهم وأموالهم؛ إذ يلزمهم الذهاب والرجوع والتردّد كثيرًا على هذه الأماكن، إلى حدّ أنّ ظهورهم تنكسر؛ فهذه الطرق حالكة ومعتمة جدًّا! وأمّا في بعض الأحيان، فقد تكون للإنسان حاجة عند أحدهم، فيذهب إلى بيته، فلا يجده هناك، ويُقال له: «إنّه في الدكّان»؛ فيذهب إلى دكّانه، فيراه هناك؛ أو يقال له: «إنّه في الدكّان»؛ وحينما يذهب إلى هذا الدكّان، يُقال له: «لا يوجد هنا؛ لأنّه ذهب إلى السوق»؛ ثمّ لا يعثر عليه في السوق، فيأتي إلى منزله، فيجده هناك؛ أي أنّه يجده عن طريق واسطة واحدة. لكن، في أحيان أخرى، تكون للإنسان حاجة عند أحدهم، فيُقال له: «إنّه في الدكّان، أو في المسجد»؛ فما إن يذهب إلى هناك، حتّى يعثر عليه؛ وأحيانًا، قد تكون المسألة أرقى من ذلك؛ وذلك بأن تكون للإنسان حاجة عند أحدهم؛ فيُريد الذهاب إليه لرؤيته؛ وحينما يذهب، يجده واقفًا ينتظره، ويترقّب قدومه من فوق السطح، مقلّبًا نظره يمينًا ويسارًا، لكي يرى من أيّة جهة سيأتي صاحب الحاجة؛ وما إن يراه من فوق، حتّى يقفز إلى الأسفل، ويفتح الباب، ويُعانقه، ويحضنه، ويضمّه إلى صدره، بحيث يخال الإنسان أنّه كان ينتظره لسنوات عديدة! فهكذا يُريد أن يقول الإمام عليه السلام: إلهي، أنت بموضع إجابة، وفي محلّ استجابة بالنسبة للذين لديهم رجاء فيك؛ وأنت في مرصد إغاثة بالنسبة للذين حلّت بهم بليّة، وأصابتهم لهفة وحسرة، فأنزلوا بساحة رحمتك أحمال حاجاتهم!
