
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
هل تتعارض المطالب والأصوات المرفوعة إلى الله تعالى؟ وكيف يستجيب الله تعالى لداعيه ومستعينه؟ ومع جود الله تعالى كرمه، هل يحتاج الإنسان إلى اللجوء لغيره؟ وهل الطريق الله تعالى بحاجة إلى قطع مسافة طويلة؟ أ يُمكننا القول: إنّ الله محتجب عن عباده؟ وهل إنّ استجابته تعالى لدعاء الإنسان راجعة لاستحقاقه؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
4فحينما أرسل ذلك المسكين الرسالتين، وصلت الرسالة الأخرى التي كتبها لهذا الشخص إلى آخر، واكتشف بدوره أنّها لم تكن له، حيث كان قد كتب رسالتين؛ إحداها لأجل صديقه، والأخرى لأجل زوجته التي كانت تسكن بالمدينة الفلانيّة، وذكر فيها كلامًا يُقال عادة بين الأحباب؛ في حين أنّه كتب الأولى بكلّ احترام؛ لكن، عندما أراد أن يضع الرسالتين في ظرفيهما البريديّين، وضع الأولى خطأً في ظرف الثانية، والثانية في ظرف الأولى؛ ثمّ وضع على كلّ واحدة طابعًا بريديًّا، لكي تصل إلى صاحبها. وأمّا بالنسبة لله تعالى، فإنّه لا يرتكب ذرّة واحدة من هذه الأخطاء، ولا يُخطئ أبدًا، بل هو دقيق؛ وهذا عجيب جدًّا!
فكم هو عدد الأسلاك الممدودة نحو الله تعالى؟! ففي السابق، لم تكن الأسلاك الهاتفيّة تُمدّد تحت الأرض، بل فوقها؛ وعندما كنّا نقيم بقمّ، كنّا نأتي أحيانًا مرّة في كلّ أربعة أو ثلاثة أشهر إلى مخدع الهاتف العموميّ لكي نتّصل بطهران؛ وكان يوجد أعلى المخدع عمود خشبيّ وُصلت به عدّة أسلاك مدّدت من هذه الجهة وتلك الجهة، إلى درجة أنّك تعتقد أنّ الزقاق بأكمله كان أسود اللون! حيث لم تكن تُمدّد الأسلاك في ذلك الزمان طبقًا للقواعد والأصول؛ وحينما كنّا نذهب إلى هناك لكي نتّصل بالهاتف، كان [الموظّف] يقول: «أيّها السيّد، اذهب إلى المقصورة الفلانيّة، واتّصل بالهاتف»؛ وكان يصيح باستمرار: «المركز، المركز»، إلى درجة أنّ لوزتيه كانتا كلتاهما تختنقان، وصوته يبحّ؛ فيقول لنا: «لا يصل أيّ صوت!»؛ وحينئذ، يعدنا بالذهاب للمقصورة الأخرى، والاتّصال بالهاتف؛ وحينما كنّا نتّصل بالهاتف، كان صوته يعلو بالصياح إلى حدٍّ لا نستطيع معه سماع صوت الطرف المقابل بسبب اختلاط الأصوات؛ وأمّا الأسلاك التلغرافيّة والهاتفيّة الممدودة نحو الله تعالى، فلا تُعاني أبدًا من هذه الأمور؛ لأنّها لا تختلط ببعضها، ولا يحصل فيها تماسّ كهربائيّ، ولا يقع بينها اتّصال بتاتًا، حيث إنّ المطالب تكون هنا صحيحة، ويكون الحساب فيها سريعًا ودقيقًا إلى درجة أنّه لا يحصل فيه أيّ خطأ.
فعلينا الآن الالتحاق بمقام الكلّية، وتخطّي عنوان الجزئيّة؛ إذ لا يسعنا التأخير؛ وإلاّ، لو تأخّرنا، لظلّت أقدامنا عرجاء منذ الوهلة الأولى؛ فدعونا نمضي قُدمًا الآن! فلا يتعلّق الأمر فقط بالمطالب التي نقدّمها، بل إنّ أصل وجودنا محتاج إلى الذات الإلهيّة المقدّسة، وكلّ مرحلة من مراحل تكاملنا الجسميّ والروحيّ، وكذلك كلّ خليّة من خلايا بدننا وقلبنا ورئتنا وكبدنا في أصل ابتداعها وتطوّرها ومعادها تخضع لحسابات دقيقة ولطيفة وعجيبة يعجز العقل عن إدراكها، بحيث لا يختلط حساب إحداها مع حساب الأخرى.
