
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
هل تتعارض المطالب والأصوات المرفوعة إلى الله تعالى؟ وكيف يستجيب الله تعالى لداعيه ومستعينه؟ ومع جود الله تعالى كرمه، هل يحتاج الإنسان إلى اللجوء لغيره؟ وهل الطريق الله تعالى بحاجة إلى قطع مسافة طويلة؟ أ يُمكننا القول: إنّ الله محتجب عن عباده؟ وهل إنّ استجابته تعالى لدعاء الإنسان راجعة لاستحقاقه؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
3وحينئذ، كم هو مقدار هذه المطالب؟ بعدد النفوس؛ وكم يوجد على الأرض من ملايين ملايين ملايين ملايين النفوس؟ فلأفراد الإنسان والحيوانات والطيور وأسماك البحار والزواحف أصوات، ومطالب، وارتباط بإلهها، بحيث لا يحصل خلط بين صوت البعوضة التي تتحرّك بواسطة الريح من هنا إلى هناك، وصوت هدير الفيل. فالبعوض والذباب الذي يقف على خرطوم الفيل يمتلك بأجمعه صوتًا ومطالب؛ كما نجد الفيل أيضًا يُصدر هديرًا؛ وهكذا الشأن بالنسبة للأبقار التي نراها أحيانًا تُصدر أصواتًا في الليل؛ ففي إسطبل هذه الأبقار، يكون لكلّ موجود من الموجودات القابعة في الظلام على الأرض ـ كالصراصير والبعوض ـ حاجات وأعمال، بحيث لا يُمحى صوته، ولا يختفي وراء صراخ الأبقار، بل إنّ كلّ صوت يتوجّه إلى موضعه الخاصّ، ويُستجاب لكلّ طلب طبقًا لحدوده المعيّنة، وبنحو مضبوط، من دون أن تختلط إجابة أحدها بإجابة الآخر، بحيث تُمنح إجابة الأوّل للثاني، والثاني للأوّل.
وهذا كلّه منذ بداية العالم؛ مع أنّه مختصّ بالأرض؛ وحينئذ، اذهبوا إلى الكواكب والسماوات والملائكة والموجودات العلويّة والسفليّة وكلّ ما سوى الله تعالى، وانظروا ما هي الأخبار ويا لها من ضجّة هناك! فجميع المطالب في مكانها الصحيح، وإجاباتها صحيحةٌ، والمـُوفَد لا يُخطئ، بل يأتي بالجواب، ويُسلّمه إلى يد صاحبه؛ وما أعجبها وأغربها من أجوبة! ومن العجيب أيضًا عدم وقوع أيّ خطأ في كافّة هذه الطلبات، ولو بمقدار حبّة واحدة؛ وإلاّ، لبطل العمل، ولما كان الإله إلهًا، ولأفضى ذلك إلى حصول انكسار في مقام عظمته ولا نهائيّته؛ حيث يلزم من عدم تناهيه أن يكون له سمعٌ يسمع به كلام الجميع.
كان لي صديق بقمّ، وهو الآن من فضلائها وعلمائها، حيث قال لي ذات مرّة أثناء تواجدنا بهذه المدينة المقدّسة:
إن كنت تروم كتابة رسالة إلى أحد أصدقائك، وأردت أن تضعها داخل ظرف بريديّ، فاقرأها أوّلاً، ثمّ ضعها في ذلك الظرف، وأغلقه.
قلت: لماذا؟
قال: بسبب قضيّة حصلت لي سابقًا، حيث وصلتني رسالة بقمّ من المدينة التي كنت أسكن فيها، وكان مكتوبًا خلف الظرف: سماحة فلان وفلان؛ لكنّ الرسالة كُتب فيها: «روحي لك الفداء وكذا وكذا»، وبعض المسائل والكلمات التي لا تتلاءم معي بتاتًا! فقلت في نفسي: «لقد كان يوجد بيننا توافق؛ فهل انزعج منّي، ويُريد الآن أن يسبّني ويشتمني، أم أنّه يمزح معي؟ لكن، لم تكن من عادتي المزاح معه! فأيّة مناسبة لذكر هذا الكلام؟!»؛ وفي نهاية المطاف، ظهر المستور، وتبيّن أنّه أخطأ.
