
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
هل تتعارض المطالب والأصوات المرفوعة إلى الله تعالى؟ وكيف يستجيب الله تعالى لداعيه ومستعينه؟ ومع جود الله تعالى كرمه، هل يحتاج الإنسان إلى اللجوء لغيره؟ وهل الطريق الله تعالى بحاجة إلى قطع مسافة طويلة؟ أ يُمكننا القول: إنّ الله محتجب عن عباده؟ وهل إنّ استجابته تعالى لدعاء الإنسان راجعة لاستحقاقه؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
14فلو لم يكن الإنسان يعبد الله تعالى، وكان هناك إله آخر، لتوجّه إليه؛ وذلك نظير ألاّ يُلبّي زيد بن عمرو حاجة أحدهم، فيلتجئ إلى بكر بن خالد؛ أي: إذا لم يُحقّق ذاك رغبَته، فالآخر موجود؛ كأن نقول: «إذا لم يوجد خبز "سنگک"،۱ فخبز "تافتون"٢ موجود»؛ لكن، لو كان يوجد في العالم نوع واحد من الخبز، لما كان أيّ معنى لأن نقول: «إذا لم يوجد هذا، فالآخر موجود».
«لَجَئي إلى الإيمانِ بِتَوحيدِك»؛ فأنا صرتُ مُلجأ للإيمان بأنّك أنت الموجود فقط؛ وبواسطة توحيدك، أضحيت مُلجأ للاعتراف بهذه الحقيقة.
فذاتك واحدة، وصفتك واحدة، وفعلك واحد؛ وكلّ فعلٍ كان من شأنك أن تقوم به في كافّة العوالم الوجوديّة قد قمت به، فلا يخرج عن إرادتك وعلمك وقدرتك، ولو بمقدار ذرّة واحدة؛ وأنا أدركت هذه الحقيقة؛ فلم يكُن لي، ولم يتبقّ لي أيّ سبيل سوى الإيمان بأنّ الأمر كلّه بيدك، ولا تأثير لسواك بتاتًا!
«ويقيني بِمَعرفتِك مِنّي أن لا ربَّ لي غيرُك»؛ وأنا متيقّن بأنّ لديك معرفة بي واطّلاع على أحوالي، وأنّك تعلم بأنّني لا أملك إلهًا سواك؛ فأنا عالم بأنّ جميع الصفات والأسماء العليا منحصرة فيك، وأنّ غيرك ليس أهلاً لهذا المقام؛ كما أعلم أيضًا أنّك مطّلع على كوني لا أملك إلهًا سواك؛ «ولا إلهَ إلاّ أنت»؛ فلا إله ولا معبود غيرك.
«وحدَك لا شريكَ لكَ»؛ فأنت واحد أحد، وأنت عظيم، وأنت مستقلّ، وتملك كافّة الصفات؛ وحدك؛ يعني أنّك واحد وحسب!.
فوحدتك هي على درجة من العلوّ، بحيث لا يُمكن لأيّ موجود ـ مع هذا التوحيد ـ أن يُبرز ذاته، ويقوم في مقابل ذاتك؛ لأنّ وحدتك طمست وأخفت وأعتمت كافّة الموجودات. كما أنّه لا شريك لك ولا ظهير في عوالم الوجود بأجمعها؛ فكلّ فعل يصدر منك متوقّفٌ على يد قدرتك وحسب! إلهي أن معتقد وعالم بهذا الكلام الذي نطقتُ به؛ ولأنّني عالم به، فإنّ قلبي ساكن وهادئ ومطمئنّ به؛ ولهذا، أوجّهي طلباتي إليك.
فما هي هذه الطلبات؟ «اللهُمَّ أنتَ القائلُ...»؛٣ تعالوا بنا الآن لنرى ما هي الطلبات التي تقدّم بها الإمام؟ فهو عليه السلام يُناجي ربّه؛ ولهذا، علينا تقييم علم الله تعالى وقدرته، لنرى هل يُمكنه تلبية الحاجات التي نُريدها منه أو لا، حيث جرى استعراض تلك المقدّمات، للتعريف به تعالى، وبيان حقيقة هذا الإله الذي ندعوه ونطلب منه حاجاتنا؛ إذ حينما تبيّن لنا أنّه بذلك النحو، صار معلومًا لدينا آنذاك أنّ هذه الحاجات سهلة بالنسبة إليه، ولو كانت في نفسها عظيمة جدًّا.. «وهو عليكَ سهلٌ يسيرٌ».٤
- أي: الخبز الحجريّ؛ وهو خبز إيرانيّ يُطبخ في فرن أرضيُّته من أحجار صغيرة؛ ولعل هذا هو السبب في تسميته. المعرّب
- نوع من الخبز الإيرانيّ المخمّر الرقيق. المعرّب
- مصباح المتهجّد، ج ٢، ص ٥۸٣، فقرة من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
- المصدر نفسه، ص ٥۸۸، فقرة من دعاء أبي حمزة الثماليّ.
