
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
هل تتعارض المطالب والأصوات المرفوعة إلى الله تعالى؟ وكيف يستجيب الله تعالى لداعيه ومستعينه؟ ومع جود الله تعالى كرمه، هل يحتاج الإنسان إلى اللجوء لغيره؟ وهل الطريق الله تعالى بحاجة إلى قطع مسافة طويلة؟ أ يُمكننا القول: إنّ الله محتجب عن عباده؟ وهل إنّ استجابته تعالى لدعاء الإنسان راجعة لاستحقاقه؟ هي تساؤلات في ضمن تساؤلات أخرى سعى سماحة العلاّمة آية الله السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ قدّس الله نفسه الزكيّة للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها لشرح فقرات من دعاء أبي حمزة الثماليّ الشريف.
خصائص الطريق إلى الله تعالى عند الدعاء
12فالحجاب إنّما هو من قِبلنا نحن، لا من قِبل الشمس! فلا يوجد بيننا وبين الله تعالى أيّ حجاب، بل الحجاب أعمالنا وآمالنا؛ وهي نابعة منّا؛ وهي التي تُعتمنا وتُعمينا؛ وبالتالي، ينبغي علينا نحن أن نرفع هذا الحجاب بواسطة الأدب الشرعيّ والرياضة الشرعيّة؛ فالرياضة تعني الأدب. وحينما تتقوّى النفس وتطهر وتتنقّى، فإنّها تصير قادرة على الرؤية.
وهذا هو معنى «وأنَّ الراحلَ إليكَ قريبُ المسافةِ»؛ أي أنّ طريقه قصير؛ لأنّك غير محجوب عن خلقك، بل الآمال والأماني هي التي حجبتك؛ ولهذا، حينما تُزاح هذه الآمال والأماني، فإنّك تكون حاضرًا.
كرم الله تعالى وصدق وعده هما المقتضيان لاستجابة الدعاء لا استحقاق الإنسان
«وَقَدْ قَصَدْتُ إِلَيْكَ بِطَلِبَتِي، وتَوَجَّهْتُ إِلَيْكَ بِحَاجَتِي، وجَعَلْتُ بِكَ اسْتِغَاثَتِي، وبِدُعَائِكَ تَوَسُّلِي مِنْ غَيْرِ اسْتِحْقَاقٍ لِاسْتِمَاعِكَ مِنِّي، ولَا استِيجَابٍ لِعَفْوِكَ عَنِّي، بَلْ لِثِقَتِي بِكَرَمِكَ، وسُكُونِي إِلَى صِدْقِ وَعْدِكَ، ولَجَئِي إِلَى الْإِيمَانِ بِتَوْحِيدِكَ، ويَقِينِي بِمَعْرِفَتِكَ مِنِّي أَنْ لَا رَبَّ لِي غَيْرُكَ، ولَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ».
إلهي، لقد يمّمت بوجهي نحو حضرتك، وقصدت إليك أنت بواسطة هذا الطلب الذي عندي؛ وأنت تعلم بما أريده وأقصده؛ فأنا أتوجّه إليك بحاجتي.
وأنا أحتاج إليك؛ وإلاّ، لو لم أكن محتاجًا إليك، لما توسّلت بك؛ ولأنّني أعلم أنّ لديّ حاجة إليك، وأنّ هذه الحاجة إليك أنت؛ وأنا غير مستغنٍ عنها، لهذا، فقد توجّهت إليك لتلبية هذه الحاجة، وجعلت طلبي إليك، واستغاثتي بك؛ ولأنّني أدركت أنّ القدرة بيدك أنت، فقد قطعت استغاثتي واستعانتي بغيرك.. يقول عليه السلام:
«وجَعَلْتُ بِكَ اسْتِغَاثَتِي»؛ "بِكَ" جارٌ ومجرور قُدّما هنا لإفادة الحصر؛ فهو لم يقل: جعلتُ استغاثتي بك، بل كأنّه قال: بك أنت فقط جعلت استغاثتي!
فأنا أتيت عندك متوسّلاً إليك؛ وأنا أصلّي، وأدعو، وأقرأ القرآن، وأجهش بالبكاء في الخلوة والجلوة، وأتوجّه إليك، لا إلى غيرك!
«وبِدُعَائِكَ تَوَسُّلِي»؛ فأنا أتوسّل إليك بواسطة دعائي إيّاك.
فأنا أدعوك أنت، ولا أدعو غيرك!
فلم يحصل لحدّ الآن أن توسّلت بغيرك، ودعوت سواك؛ ففي كلّ مرّة كنت أدعو، كان دعائي موجّهًا إليك؛ فتوسّلي هو بدعائك أنت؛ مع أنّني لا أستحقّ أبدًا أن آتي، وأتحدّث معك، وأقول: إلهي، أصغ إليّ، فأنا أريد الاستغاثة بك ودعاءك!؛ كلاّ! فأحيانًا، قد يكون الإنسان ـ بحقّ ـ مستحقًّا لهذا الأمر، فيرى في نفسه الأهليّة والقابليّة لذلك؛ لكنّني أتيت عندك من دون أن أرى في نفسي أيّة جهة استحقاق وأهليّة؛ فلأنّ كرمك وجودك وفضلك عميم وعظيم، فإنّني وجّهت إليك كافّة هذه الأدعية والطلبات.
