
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
في بوتقة النقد والتحقيق
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم تتوقّف على الاعتصام بالله وبرسوله في الوقت ذاته، وأنّ كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الكاشف عن أنّ وجود الإنسان رحمانيّ أو شيطانيّ، ثمّ استعرض بعض النماذج لانحراف بعض الصحابة عن جادّة الهداية، ليتحدّث بعد ذلك عن بطلان نظريّة مطلق عدالة الصحابة؛ مشيرًا إلى تراجع بعض علماء العامّة عن هذه النظريّة، وغرابة القول بعدالة الصحابة بمجرّد وفاة الرسول؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن عدم وجود مكان لهذه النظريّة في عصر التحقيق والحريّة الفكريّة.
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
9وعلاوةً على هذا كلّه، يقول أبو هريرة ما مفاده:
رُوي أنّ رسول الله قال: حينما خلق الله تعالى العرش، جلس عليه، فرأى أنّه لوحده؛ وحينئذ، رفع الرسول من هنا إلى الأعلى، وأجلسه إلى جانبه عن يمينه، وأقعده على الكرسيّ؛ ولهذا، كلّ من يذهب يوم القيامة إلى الموقف، سيرى الرسول جالسًا على الكرسيّ إلى جانب الله تعالى.۱
وهذا يُضاهي كلام النصارى الذين يقولون: إنّ الله تعالى رفع نبيّ الله عيسى فوق السماوات، وأجلسه إلى جنبه على العرش؛ في حين أنّ المسلمين يُشكلون عليهم بأنّه عزّ وجلّ ليس جسمًا، وبأنّ عيسى ليس هو الله، ولا ابنٌ لله، وأنّ الباري لا يجلس على الكرسيّ والعرش، بل إنّ العرش عبارة عن قدرته تعالى وإحاطته الوجوديّة، وأنّ الاستواء على هذا العرش يعني هيمنة قدرة الله وإرادته على كافّة العوالم؛ فهو تعالى ليس بجسم؛ وحينئذ، كيف تقولون إنّ الله رفع عيسى، وأقعده جنبه؟ ففي الجواب، سيقول هؤلاء: إنّكم أيّها المسلمون تتفوّهون بنفس هذا الكلام! أ لا توجد لديكم رواية مفادها أنّ الله تعالى خلق النبيّ، ثمّ رفعه إلى الأعلى، وأجلسه إلى جانب عرشه؟
ففي هذه الحالة، سيعجزون عن الإجابة على هذه الإشكالات، ويقولون: ما الذي علينا فعله؟! هل نقول إنّ أبا هريرة يكذب؟ إن قلنا ذلك، علينا قراءة الفاتحة على جميع روايات البخاريّ ومسلم وأمثالها! وإن قلنا إنّه صادق، كيف سيتسنّى لنا جواب هؤلاء الأعداء واليهود والنصارى والملحدين وبعض المسلمين الذين يُشكلون علينا بقولهم: «أجيبونا عن هذه الأخبار التي لديكم، والمعارضة لكتاب الله!»؟٢
كان الحَكَم٣ من أعجب الفضلاء وأغربهم، ومن الطبقة الأولى من العلماء في عصر الشافعيّ؛ لكنّه أراد أن يحتلّ مجلس الشافعيّ بعد وفاته، ويحوز على تلك الرئاسة، وذلك المجلس والدرس والبحث و... ؛ وحينما توفّي الشافعيّ بمصر، جاء لكي يُدير هذا الكرسيّ العلميّ، فقيل له إنّ الشافعيّ قال: «أحقّ الناس بمجلسي ربيع»؛٤ فلم يُعجبه ذلك، والتحق بالمذهب المالكيّ، وصار مالكيًّا،٥ وألّف كتابًا في الردّ على الشافعيّ، ذكر فيه جميع آراء الشافعيّ وأفكاره التي تتعارض مع الكتاب والسنّة.٦
- كشف الظنون، ج ٢، ص ۱٤٣۸، باختلاف يسير، نقلاً عن ابن تيميّة، مرسلاً، ومن دون ذكر للسند.
- لمزيد من الاطّلاع على أحوال أبي هريرة وموضوعاته، راجع: معرفة الإمام، ج ۱٤، ص ٣۱۰.
معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ٣۰۱: «ومع أنّنا نلحظ آلاف الأحاديث الموضوعة في كتب العامّة عن أبي هريرة، وذهب البعض إلى أنّها بلغت (٥٣۷٤)، هلمّوا لننظر كم عدد الأحاديث المأثورة عن أمير المؤمنين، وسيّد الوصيّين وقائد الغرّ المحجّلين ويعسوب المسلمين؟
قال أبو ريّة: "أوّل من أسلم وتربّى في حجر النبيّ، وعاش تحت كنفه من قبل البعثة، وظلّ معه إلى أن انتقل النبيّ إلى الرفيق الأعلى، لم يفارقه لا في سفر ولا في حضر؛ وهو ابن عمّه، وزوج ابنته فاطمة الزهراء، شهد المشاهد كلّها سوى تبوك؛ فقد استخلفه النبيّ فيها على المدينة. فقال: "يا رسول الله! أ تخلّفني في النساء والصبيان"؟ فقال رسول الله: "أ ما ترضى أن تكون منّي بمنزلة هارون من موسى، إلّا أنّه لا نبيّ بعدي؟"
هذا الإمام الذي لا يكاد يضارعه أحد من الصحابة جميعًا في العلم قد أسندوا له كما روى السيوطيّ (٥۸) حديثًا؛ وقال ابن حزم: لم يصحّ منها إلّا خمسون حديثًا لم يرو البخاريّ ومسلم منها إلّا نحوًا من عشرين حديثًا." (الأضواء، الطبعة الثالثة، ص ٢۱٤ و٢۱٥) » - أبو عبد الله محمّد بن عبد الله بن عبد الحكم بن أعين بن ليث. المحقّق
- تاريخ الإسلام، الذهبيّ، ج ۱۷، ص ٤٢٣؛ ج ٢۰، ص ۱٦٩؛ تاريخ بغداد، الخطيب البغداديّ، ج ۱٤، ص ٣۰٣.
- تااريخ الإسلام، ج ٢۰، ص ۱۷۰.
- الأعلام، الزركليّ، ج ٦، ص ٢٢٣؛ تاريخ الإسلام، ج ٢۰، ص ۱۷۱.
