
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
في بوتقة النقد والتحقيق
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم تتوقّف على الاعتصام بالله وبرسوله في الوقت ذاته، وأنّ كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الكاشف عن أنّ وجود الإنسان رحمانيّ أو شيطانيّ، ثمّ استعرض بعض النماذج لانحراف بعض الصحابة عن جادّة الهداية، ليتحدّث بعد ذلك عن بطلان نظريّة مطلق عدالة الصحابة؛ مشيرًا إلى تراجع بعض علماء العامّة عن هذه النظريّة، وغرابة القول بعدالة الصحابة بمجرّد وفاة الرسول؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن عدم وجود مكان لهذه النظريّة في عصر التحقيق والحريّة الفكريّة.
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
8فأحيانًا، يذهب الإنسان للحرب، فيضرب بسيفه، ويُنازل خصمه، ثمّ يُقتل؛ لكنّ ذلك لم يحصل له هو؛ إذ بدون أن يُقاتل، جاء سهم، فأصابه، وسال الدم من فخذه إلى أن مات؛ مع أنّه يتحمّل في الوقت ذاته وزر كلّ تلك الجماعة البالغ تعدادها اثني عشرة ألف نسمة! هذا، ومروان يتفرّج عليه في الناحية المقابلة، في حين أنّه هو الذي قتله!
بطلان نظريّة عدالة مطلق الصحابة
وهنا، نراهم يقولون: «كان كلٌّ من طلحة والزبير ومروان صلحاء وطاهرون بأجمعهم، ولا ينبغي أن نتحدّث عنهم بتاتًا؛ لأنّهم صحابة»؛ وهو كلام مجانب للصواب.
وحينئذ، يأتي هؤلاء الصحابة، وينقلون عن الرسول أحاديث تتعارض مع العلم، والكتب المتقدّمة، حيث يروي أبو هريرة حديثًا عن النبيّ الأكرم-سنده [برأيهم] صحيح وجميع رواته عدول وثقاة-يقول فيه ما مفاده:
"إنّ الله تعالى لم يخلق السموات والأرض في ستّة أيّام، بل خلقها في سبعة أيّام؛ فأخذ رسول الله بيدي، وبدأ يعدّ: في اليوم الأوّل، فعل كذا؛ وفي يوم الأحد، فعل كذا؛ وهكذا، في يوم الإثنين، والثلاثاء، والأربعاء، إلى أن وصل إلى عصر الجمعة، حيث انتهى من خلق السماء والأرض قبل ساعة واحدة من الغروب".۱
وجميع الرواة الواقعين في سلسلة رواة هذا الحديث-إلى أن تصل إلى أبي هريرة-ثقاة!
وهذا مخالف لنصّ القرآن الذي يقول إنّ الله تعالى خلق السماوت والأرض في ستّة أيّام،٢ حيث نجدهم قد حاروا في كيفيّة التعامل مع هذه الرواية؛ فإن قالوا إنّها صحيحة؛ لأنّ سندها صحيح، فإنّها ستتعارض مع القرآن؛ وحينئذ، كيف يُمكنهم الردّ على اليهود والنصارى الذين سيُشكلون على المسلمين، ويقولون: «إن كنتم تقولون إنّ قرآنكم حقّ؛ فها هو بنفسه يُصرّح بأنّ الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستّة أيّام؛ فكيف يكون حقًّا، ورسولكم يقول بخلقها في سبعة أيّام؟»؛ وإن قالوا إنّ الرواية باطلة؛ فبما أنّ سندها-بجميع رواته-صحيح، تعيّن عليهم القول: «إنّ أبا هريرة يقع في آخر هذا السند، وقد نقلها عن الرسول كذبًا»؛ وهم لا يودّون الاعتراف بهذا الأمر؛٣ وذلك لأنّ أبا هريرة كان زعيمًا وقائدًا لسنين متمادية، وكان يدعو الناس إلى خلافة معاوية، ووَضَع العديدَ من الروايات المعارضة لأمير المؤمنين؛ فإذا رُفعت يد أبي هريرة عن الأحاديث، ضاع نصف روايات أهل السنّة، وفقههم.
- مسند أحمد، ج ٢، ص ٣٢۷. «إنَّ اللهَ بَدَأ الْخَلْقَ يَوْمَ الاحَدِ فَخَلَقَ الأرَضِينَ فِي الأحَدِ والإثْنَيْنِ، وخَلَقَ الاقْوَاتَ والرَّوَاسِىَ فِي الثَّلَاثَاءِ والأرْبَعاءِ، وخَلَقَ السَّمَاواتِ فِي الْخَمِيسِ والْجُمُعَةِ، وفَرَغَ فِي آخِرِ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، فَخَلَقَ فِيها آدَمَ عَلَى عَجَلٍ؛ فَتِلْكَ السَّاعَةُ الَّتِي تَقُومُ فِيهَا السَّاعَةُ» (الطبرانيّ، ج ۱، ص ٢٤؛ نقلاً عن معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ٣٢٩). المعرّب
- سورة الأعراف، الآية ٥٤، والعديد من الآيات الأخرى.
- معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ٣٢٩؛ نقلاً عن أبي ريّة: «ومن العجيب أنّ أبا هريرة قد صرّح في هذا الحديث بسماعه من النبيّ، وأنّه صلّى الله عليه وآله قد أخذ بيده حين حدّثه به. وإنّي لأتحدّى الذين يزعمون أنّهم على شيء من علم الحديث، أن يحلّوا هذا المشكل، وأن يخرجوا شيخهم من هذه الورطة التي ارتطم فيها!
إنّ الحديث صحيح السند على قواعدهم، لا خلاف في ذلك بينهم، وقد رواه مسلم في صحيحه؛ ولم يصرّح بسماعه من النبيّ فحسب، بل زعم أنّ رسول الله قد أخذ بيده وهو يحدّثه به.
وقد قضى أئمّة الحديث بأنّ أبا هريرة قد أخذه من كعب الأحبار، وأنّه مخالف للكتاب العزيز؛ ولو رواه عنعنةً [عن فلا عن فلان]، لقلنا عسى، ولالتمسنا له مخرجًا يخرج منه، ولكنّه صرّح بسماعه ،ووضع يده في يد النبيّ عند ما تلقّاه منه.
فمثل هذه الرواية تعدّ ولا ريب كذبًا صراحًا، وافتراءً على رسول الله، فما حكم من يقترفها؟! وهل تدخل تحت طائلة حكم حديث الرسول: «مَنْ كَذَبَ عَلَيّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ»؟
إنّي والله لفي حاجة إلى الانتفاع بالجواب المقنع عن ذلك! لأنّ هذا الحديث وحده لو أمعن الإنسان نظره فيه وحقّق في ظاهره ومطاويه، لكشف ولا ريب عن حقيقة روايات أبي هريرة كلّها؛ لأنّه إذا كان هذا شأنه في رواية ما يُصرّح بسماعه بأذنه من النبيّ صلّى الله عليه وآله، فكيف يكون الأمر فيما يرويه عنعنةً عن غيره؟
ولقد أحسن علماؤنا في تكذيب هذا الحديث، وأن يقطعوا بأنّ أبا هريرة قد كذب في أنّه رواه عن النبيّ، وأنّه قد تلقّاه عن كعب الأحبار اليهوديّ الذي لم يكن له من عمل إلّا أن يدسّ في الإسلام ما يشوّه بهاءه، وأن يفتح باب الطعن في علم من جاء به ....» (شيخ المضيرة أبو هريرة، الطبعة الثانية، ص ۷٩-۸٢)*
* شيخ المضيرة أبو هريرة، محمود أبو ريّة، ص ٩۸.
