
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
في بوتقة النقد والتحقيق
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم تتوقّف على الاعتصام بالله وبرسوله في الوقت ذاته، وأنّ كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الكاشف عن أنّ وجود الإنسان رحمانيّ أو شيطانيّ، ثمّ استعرض بعض النماذج لانحراف بعض الصحابة عن جادّة الهداية، ليتحدّث بعد ذلك عن بطلان نظريّة مطلق عدالة الصحابة؛ مشيرًا إلى تراجع بعض علماء العامّة عن هذه النظريّة، وغرابة القول بعدالة الصحابة بمجرّد وفاة الرسول؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن عدم وجود مكان لهذه النظريّة في عصر التحقيق والحريّة الفكريّة.
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
2أعوذ بالله من الشَّيطان الرَّجيم
بسم الله الرّحمٰن الرّحيم
وصلّى الله على محمّد وآله الطيّبين
ولعنةُ الله على أَعدائِهم أجمَعين
توقّف الهداية على الاعتصام بالله ورسوله في الوقت ذاته
﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ، وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ، وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.۱
أي أنّ الله تعالى يقول:
«فأنتم أيّها المسلمون مكلّفون من قبل الله تعالى بأن تأمروا بالمعروف وتنهوا عن المنكر، وتُسارعوا إلى الخيرات؛ وهذه هي الميزة الفريدة التي تفصلكم عن [كفّار العالم]؛ فاذكروا نعمة الله تعالى، حيث كنتم تُعادون بعضكم، فألقى الله تعالى الألفة بينكم، وأصبحتم بنعمته إخوانًا؛ وكنتم جالسين إلى جانب حفرة نيرانيّة، فأخذكم الحقّ عزّ وجلّ، وأنجاكم، وأنقذكم منها؛ فلا بدّ أن يوجد بينكم أفراد قائمون بالقسط يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر؛ فحينئذ، سيتّجه مجتمعكم نحو الفلاح والرشاد؛ وحذار أن تسلكوا سبيل التفرقة والانقسام بعدما بلغتكم البيّنات والأدلّة والشواهد من الله تعالى؛ لأنّ هذه المسألة لها عواقب سيّئة، وعذابها عظيم».
وبعد ذلك، يُبيّن تعالى النتائج المترتّبة على هذا الاختلاف، ثمّ يقول:
«إنّ هذا العداء الذي يُضمره لكم اليهود النصارى راجع بأجمعه إلى منبع النفاق والأنانيّة السائد بينهم؛ لكن، ما دامت حركتكم قائمةً على الإيمان والإسلام، فلن يتمكّن أيّ موجود من إلحاق الضرر والأذى بكم.
ومن بين أهل الكتاب، هناك أفراد مؤمنون، ومنهمكون في العبادة آناءَ الليلِ والنهار؛٢ فهم ليسوا فاسدين بأجمعهم، بل إنّ البعض منهم مؤمنون؛ وهم الذين لديهم طينة طاهرة، ويوجد فيهم حسّ الانقياد والاعتراف بالحقّ، حيث تجد جماعة منهم يقومون وسط الليالي، ويؤدّون الصلاة، وأصحاب اعتقاد، ومن أهل السجود، وعندهم إيمان بالله تعالى ويوم القيامة؛ فهؤلاء أيضًا يأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر، ويُسارعون في الخيرات.
فالأمر الذي يُحافظ عليكم هو عدم حمل كلام الآخرين على محمل السوء، وألاّ تلجؤوا للتفرقة والانقسام، ولا تختلفوا فيما بينكم، وأن تبنوا مجتمعكم وأمّتكم على أساس الوحدة، وأن تجتنبوا التفرقة؛ وإلاّ، فإنّ أعماركم وفوائدكم وواجباتكم وفضائلكم ستتحوّل بأجمعها إلى قبائح وسيّئات»؛ ﴿وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَىٰ عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾.٣
- سورة آل عمران، الآيات ۱۰٣-۱۰٥.
- سورة آل عمران، الأيات ۱۱٢-۱۱٤: ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ أَيْنَ مَا ثُقِفُوا إِلَّا بِحَبْلٍ مِنَ اللَّهِ وَحَبْلٍ مِنَ النَّاسِ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الْمَسْكَنَةُ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ ۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ ، لَيْسُوا سَوَاءً ۗ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ ، يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَٰئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾.
- سورة آل عمران، الآية ۱۰۱.
