انقطع الاتصال بالخادم. جارٍ إعادة المحاولة...

يتعذّر إنشاء الاتصال.

تم رفض الاتصال من قبل الخادم.

جارٍ التحميل...
00:00:00
صورة
إضافة للمفضلة

نظريّة عدالة مطلق الصحابة

في بوتقة النقد والتحقيق

0
الجلسات

في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم تتوقّف على الاعتصام بالله وبرسوله في الوقت ذاته، وأنّ كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الكاشف عن أنّ وجود الإنسان رحمانيّ أو شيطانيّ، ثمّ استعرض بعض النماذج لانحراف بعض الصحابة عن جادّة الهداية، ليتحدّث بعد ذلك عن بطلان نظريّة مطلق عدالة الصحابة؛ مشيرًا إلى تراجع بعض علماء العامّة عن هذه النظريّة، وغرابة القول بعدالة الصحابة بمجرّد وفاة الرسول؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن عدم وجود مكان لهذه النظريّة في عصر التحقيق والحريّة الفكريّة.

نظريّة عدالة مطلق الصحابة

14
  • ففي هذا العصر، لم يعُد أهل السنّة يحظون بالاحترام بين أهل العلم، حيث نجد أصحاب الفكر المستنير يقولون بكلّ صراحة: لا نستطيع القول: «فلنتوقّف عن السعي نحو الفهم، ولنرضخ لبعض المذاهب تقليدًا، ولنتحرّز عن الاجتهاد، ودعونا نتّبع مجتهدًا آخر كان يعيش قبل ألف سنة أو أكثر»، ولا يُمكننا تلقين أنفسنا هذا الأمر، أو دعوة الآخرين إليه.

  • فإذا كان الله تعالى هو الذي وهبنا التفكير، وقال لنا: بوسعكم التأمّل في القرآن، فلا يُمكننا أن نقول: «كلاّ، لا يحقّ لنا أن نُعمل فكرنا في كتاب الله، بل علينا إغلاقه، كما يتعيّن علينا أيضًا وضع السنّة النبويّة جانبًا، واتّباع أبي حنيفة، وتقليده في كلّ ما يقول»؛ ولهذا، فإنّ مسألة انحصار المذاهب [في الأربعة] قد انتهت.

  • فها هو أحمد أمين يقول بكلّ صراحة ما مفاده: «إنّ الضربة الكبرى التي تلقّاها الإسلام جاءت عن طريق سدّ باب الاجتهاد».۱

  • فهذا الرجل الذي كان لأمد قريب يسخر من الشيعة، ويُثير ضدّهم اتّهامات عجيبة وغريبة-حيث إنّ الكتب المتضمّنة لهذه الاتّهامات متوفّرة لدينا حاليًّا-، نجده قد جاء الآن، وندم على ذلك؛ أي: بسبب مطالعته ومراجعته، ونتيجةً لإرشادات علمائنا العظام وتوجيهاتهم، فقد صار يقول: «إنّ الضربة الكبرى التي تلقّاها الإسلام حدثت عن طريق سدّ باب الاجتهاد».

  • فالإسلام دين التفكير والتعقّل والتأمّل؛ وكما هو عليه الحال، يُمكن للإنسان أن يصير مجتهدًا، وبوسع كلّ واحد أن يسلك سبيل الاجتهاد؛ وأمّا مسألة «إنّك لا تستطيع أن تكون مجتهدًا بتاتًا، ولو فُقت أبا حنيفة في العلم؛ كما أنّه عليك اتّباع الشافعيّ، ولو أضحى علمُك أكبر من علمه»، فإنّها مسألة خاطئة، حيث صار يُقال بكلّ صراحة: «إنّ هذا خطأ!»؛ فكأنّ طلائع هذه المعاني أصبحت تظهر وتبرز، وصار يتّضح مكر العامّة وخداعهم.

  • ويرجع هذا الأمر إلى أنّهم [أي الأجانب والمستشرقون] يشتغلون بجدّ، ويُؤلّفون دوائر المعارف، وينشرون الكرّاسات، ويُثيرون الإشكالات ضدّ الإسلام في الجرائد؛ ممّا يفرض على المسلمين تقديم إجابات؛ هذا، مع أنّ هذه الإشكالات لا تقتصر على واحد أو اثنين، بل إنّ الهجوم يأتي من كافّة الجهات؛ فنجدهم يوجّهون حملاتهم من كافّة أنحاء العالم؛ فيتعيّن على المسلمين التصدّي للجواب؛ ويا ليتهم استيقظوا مبكّرًا؛ وإلاّ، لما بلغ بنا الحال إلى ما نحن عليه.

    1. معرفة الإمام، ج ۱۸، ص ٢٦۷، الهامش ۱: «يرفض الدكتور أحمد أمين المصريّ في كتاب «يوم الإسلام» ص ٦٥ إلى ٦۷ بشدّة الاستبداد بالخلافة، وجعلها مُلكًا، وتبديلها إلى إمارةٍ وراثيّة مستبدّة على هوى معاوية؛ وله حديث طويل حول كيفيّة افتراق الحكومة الإسلاميّة بلغ به إلى قوله:
      «... لا سيّما بعد أن قالوا بحرمة الاجتهاد ووقفوا عند حدٍّ محدود من الفروع؛ وهذا ما جعل ذلك الضعف الكامن ينمو في جسم الأمّة نموًّا جعلها تأنس بحياة السكون والاستسلام، وتعطي أزمّتها إلى الأمراء والحكّام حتى في عصر زال فيه الاعتقاد بوجوب الطاعة العمياء للُامراء وجوبًا دينيًّا؛ ومع هذا الخلاف الشديد بين المسلمين، فقد استطاع معاوية وأهل بيته من الأمويّين أن يقضوا على هذه الخلافات بشتّى الوسائل، ويؤسّسوا إمبراطوريّة من أوسع الإمبراطوريّات تعلو فيها مآذن المساجد في الهواء، ويؤذّن المؤذّنون، فيملأون الجوّ بأذانهم؛ وبذلك اتّسعت رقعة العالم الإسلاميّ، فاستولوا على أكثر الأندلس، وفتحوا عددًا من المدن في جنوبي فرنسا. وفي تمام المائة سنة بعد وفاة النبيّ صلّى الله عليه وآله، كان العرب يحكمون مملكةً واسعة أكبر من المملكة الرومانيّة تمتدّ من حدود الصين إلى شلّالات النيل السفلي، ومن الجنوب الغربيّ في اوروبّا حتى غربي آسيا وأواسطها، وعاصمة هذه المملكة دمشق؛ كما استطاعوا أن يغيّروا أكبر مظهرين من مظاهر المملكة؛ وهما: تحويل الدواوين إلى عربيّة وتخلّصهم من الدخلاء الذين كانوا يضطرّون إليهم في تدوين الدواوين، والثاني: صكّ النقود. وقد ظلّوا طوال هذه العهود يتعاملون بالنقود الرومانيّة والفارسيّة؛ فلمّا اطمأنّوا واتّسع ملكهم، بدءوا يصكّون نقودهم بأنفسهم؛ وبذلك أصبحت هذه المملكة الواسعة مملكة بمعنى الكلمة. وقد بلغت هذه المملكة أقصى سعتها في هذا العصر الأمويّ، ثمّ أخذت تنشقّ قليلاً قليلاً في العصر العبّاسيّ، وفيما بعد ذلك من عصور.
      وبمعاوية، انتقل الأمر من خلافة إلى ملك عضوض؛ والفرق بينهما أنّ الخلافة أساسها اقتفاء أثر الرسول صلّى الله عليه وآله، والاعتماد في حلّ المشاكل على شورى أهل الحلّ والعقد واختيار الخليفة منهم حسب ما يرون أنّه الأصلح؛ أمّا الملك، فيُشبه الملوك الأقدمين من فرس وروم، واستبداد بالرأي وقصر الخلافة على الأبناء أو الأقرباء، ولو لم يكونوا صالحين لذلك؛ وهذا كلّه ما فعله معاوية؛ ونموذج الخلافة ما قاله الأعرابي لعمر: «لَوْ رَأيْنَا فِيكَ اعْوِجَاجًا لَقَوَّمْنَاهُ بِسُيُوفِنَا»؛ ونموذج الملك ما قاله عبد الملك بن مروان: «مَنْ قَالَ بِلِسَانِهِ‌ هَكَذَا قُلْنَا بِسَيْفِنَا هَكَذَا!»؛ والحقّ أنّ معاوية ساد الناس بالغلبة لا بالاختيار، ثمّ استبدّ بتسيير الأمور».