
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
في بوتقة النقد والتحقيق
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان أنّ الهداية إلى الصراط المستقيم تتوقّف على الاعتصام بالله وبرسوله في الوقت ذاته، وأنّ كلامه صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الكاشف عن أنّ وجود الإنسان رحمانيّ أو شيطانيّ، ثمّ استعرض بعض النماذج لانحراف بعض الصحابة عن جادّة الهداية، ليتحدّث بعد ذلك عن بطلان نظريّة مطلق عدالة الصحابة؛ مشيرًا إلى تراجع بعض علماء العامّة عن هذه النظريّة، وغرابة القول بعدالة الصحابة بمجرّد وفاة الرسول؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن عدم وجود مكان لهذه النظريّة في عصر التحقيق والحريّة الفكريّة.
نظريّة عدالة مطلق الصحابة
10وهذا أمر جيّد؛ كما أنّ نظائره لا تقتصر على مورد واحد أو موردين، أو ثلاثة أو أربعة! وهل تعلمون سبب حصول ذلك؟ لأنّهم فصلوا ﴿وَفِيكُمْ رَسُولُهُ﴾ عن القرآن، وقالوا: يكفينا كتاب الله؛ إذ قال عمر: «كفانا كتابُ الله»؛۱ فتوقّفوا عند هذه المسألة.٢
تراجع بعض علماء العامّة عن القبول بنظريّة عدالة الصحابة
كان أحمد أمين المصريّ من مخالفي الشيعة، وأصدر في حقّهم مجموعة من الاتّهامات العجيبة والغريبة، لكنّه ألّف في أواخر حياته كتابًا اسمه "يوم الإسلام" ذكر فيه ما مفاده:
ومن الخطأ أن يُقالُ: حسبُنا كتابُ الله؛٣ فهل يستطيع أحد الاكتفاء بكتاب الله تعالى؛ في حين أنّ الرسول هو حاميه وحارسه ومراقبه ومفسّره ومبيّنه؟
وهكذا، نجدهم يتراجعون عن كافّة الاتّهامات التي ألصقوها بالشيعة، الواحد تلو الآخر.٤
كتب عالم مصريّ اسمه الشيخ محمود أبو ريّة كتابًا تحت عنوان: "أضواء على السنّة المحمّدية"، وكتابًا آخر اسمه "شيخ المضيرة أبو هريرة"؛ وهما كتابان ممتعان، ويتحتّم على طلبة العلوم الدينيّة الاطّلاع عليهما، لا سيّما كتاب الأضواء الذي يشتمل على أربعمائة صفحة، وينتقد من بدايته إلى آخره كافّة آراء أهل السنّة من الأحناف والحنابلة والمالكيّة و... واحدًا واحدًا، ويُثبت أنّ هؤلاء كانوا بأجمعهم عبدة للهوى، وأنّهم انساقوا وراء الأهواء، وتركوا كتاب الله؛ وقد استدلّ على ذلك بأسلوب خاصّ، بحيث لو طالعه أيّ سنّي لما استطاع الإشكال عليه؛ إذ لم يأت فيه على ذكر اسم أيّ واحد من الأئمّة، بل استعان في استدلاله بنفس كتبهم وكلماتهم؛ فبيّن فيه مجموعة من التعارضات والاختلافات العجيبة جدًّا، وجعل كافّة هذه الكتب بأجمعها هباءً منثورًا.
ففي الكلمة التي كتبها الدكتور طه حسين في الكتاب، نجده يطرح بعض الانتقادات بخصوصه، لكنّه في الوقت ذاته يقول ما مفاده:
قد قرأت الكتاب مرّتين؛ وهو كتاب موسّع؛ فإذا انتشر البحث المطروح فيه، فإنّه سيعمل على تغيير الأوضاع، والتاريخ؛ وذلك باعتبار عمقه الكبير؛ فبواسطة هذا الكتاب، سيتغيّر العالم؛ وهو كتاب كذا وكذا!٥
هذا، مع أنّ الدكتور طه حسين كان من الأفراد المعروفين، ومن الطبقة الأولى من الكتّاب والعلماء في مصر، وكان أبو ريّة بدوره يُجلّه كثيرًا.٦
- الطبقات الكبرى، ابن سعد، ج ٢، ص ۱۸۸؛ مسند أحمد، ج ۱، ص ٣٢٤؛ صحيح البخاريّ، ج ٥، ص ۱٣۷؛ صحيح مسلم، ج ٥، ص ۷۷: «عن ابن عبّاس قال: لمّا حضر رسول الله صلّى الله عليه وآله، [قال]: "هلّمَّ أكتبُ لكم كتابًا لا تضلّون بعده"، فقال عمر: "إنّ رسول الله قد غلب عليه الوجعُ، وعندكم القرآن، حسبُنا كتاب الله"
- لمزيد من الاطّلاع على خطأ قبول القرآن دون قبول كلام الرسول، راجع: معرفة الإمام، ج ۱٣، ص ۱٢۰.
- يوم الإسلام، ص ۱٢. معرفة الإمام، ج ۱٣، ص ۱٢۱: "ألّف أحمد أمين المصريّ كتابًا في اخريات حياته تراجع فيه عن كثير من التهم التي كان قد لصقها بالشيعة في كتابَيْه: «فجر الإسلام»، و «ضحى الإسلام»؛ وكتابه المذكور في الحقيقة كتاب توبة، وإن لم يصرّح فيه بالتوبة والاعتذار. قال في ص ۱٢ منه: "وأمّا السُّنَّة فهي أهمّ مصدر بعد القرآن، وقد تجرّأ قوم فأنكروها واكتفوا بالعمل بالقرآن وحده؛ وهذا خطأ! ففي السُّنَّة تفسير كثير من النبيّ صلى الله عليه وآله في القرآن"؛ ثمّ يشرح أحمد أمين هذا الموضوع بشكل مفصّل نسبيًّا".
- لمزيد من الاطّلاع، راجع: معرفة الإمام ج ۱٤، ص ٤٩-٥٣.
- أضواء على السنّة المحمّدية، ص ۸.
- المصدر نفسه، ص ۸٩ و۱۷۸ و٣٣۸ و٣٦۰ و٣٦٢.
