
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
نظرات عقائديّة ومعرفيّة في بعض أصول الإسلام والتشيّع - المحاضرة السابعة
لماذا لا يعرض التزلزل والاضطراب على أهل البيت عليهم السلام، ويعرضان على بقيّة الناس؟ وهل يُمكن للإنسان بلوغ المقامات التي وصلوا إليها عليهم السلام؟ أيّة حكمة في تعرّض الإنسان للابتلاءات؟ وما هي الميزة الأساسيّة التي افترق بها أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم؟ وأخيرًا، ما هو الطريق الذي يتعيّن على الإنسان سلوكه لكي يكون في مأمن من التزلزل والاضطراب؟ هي أسئلة في ضمن أسئلة أخرى سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة.
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
5﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ﴾؛ أي: قل يا أيّها الرسول، إنّ كافّة هؤلاء الناس يعملون طبقًا لشاكلتهم، وبالاعتماد على تلك المادّة الأوّلية وذلك المعدن الأساسيّ وذلك القالب الذي تمّت صياغتهم على أساسه.
إمكانيّة بلوغ الإنسان للمقامات التي بلغها أهل البيت عليهم السلام
فنجد أحدهم في هذا القالب، والآخر في ذلك القالب؛ والأوّل في هذا المحيط، والآخر في ذلك المحيط؛ وأمّا الذي تمكّن من الخروج من كلّ هذه الأمور، وتحرّك في الصراط المستقيم، فإنّ الله تعالى عالم به، ومطّلع عليه، وسيهديه بأفضل هداية في هذا السبيل؛ ولا يخفى أنّ هذا الطريق مفتوح للجميع؛ لكنّ ذلك يتوقّف على شرط مفاده: أنّ الإنسان وبعدما عثر على الطريق، فإنّ عليه أن يعمد طبقًا لتلك الشاكلة إلى تجاوز ذلك النسيان، وذلك الطريق الطويل الذي انشغل فيه بالأفكار والخيالات، وأن يتحقّق بالحقّ؛ فلا ينحصر هذا الطريق بأيّ أحد، ولا حتّى بمحمّد وآل محمّد، وذلك بأن يُقال: «إنّ الله تعالى سيخلقهم يوم القيامة، أو أنّه خلقهم منذ الأزل نورانيّين وعلى شكل جواهر نورانيّة مجرّدة، وأنّه جنّبهم كافّة المعاصي، ولم يجعل فيهم القوّتين الشهويّة والغضبيّة، ولا الغريزة المادّية؛ فهم عبارة عن موجودات متلألئة ونورانيّة وطاهرة، وحسابهم منفصل عن الجميع!»؛ فهذا كلام خاطئ؛ لأنّهم يُماثلوننا من جميع الجهات: ﴿قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ﴾؛۱ ﴿مَا هَٰذَا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ﴾؛٢ أي: أنا أعيش في بيوتكم، وأنا أيضًا أتزوّج، وآكل؛ هذا وحسب! غاية الأمر أنّهم تمكّنوا بواسطة مثابرتهم وجهادهم من عبور هذا المسار الإنسانيّ الطويل، ووصلوا إلى موضع لم يعودوا مبتلين فيه بالنسيان؛ وهذا هو معنى ما جاء في الروايات من أنّ الله تعالى خلقهم بهذا النحو؛ أي أنّهم وصلوا في نهاية المطاف إلى المستوى الأخير من غرض الخلق؛ فخَلَق الله تعالى لأجلهم العالَم؛٣ وإلاّ، لو كان من المقرّر أن يختلفوا عنّا في أصل الوجود والخلقة، فأيّة مزيّة ستكون لهم؟! إذ سيكون الله تعالى قد خلقهم صالحين ذاتًا، وخلقنا نحن سيّئين ذاتًا؛ ويكون حسابهم منفصلاً عن حسابنا نحن؛ وبالتالي، لن يكونوا أئمّة، ولن نكون مأمومين؛ ويلزم ألاّ يُعانوا هم من أيّ خلل، كما يلزم ألاّ نتوفّر نحن على أيّ نقص أو دناءة! فدناءتنا تكمن في أنّنا نشترك معهم في نفس السنخ والأصل، غير أنّنا كسالى، وهم أهل عمل؛ وهنا يكمن بيت القصيد! فقد أصغوا للكلام؛ شأنهم شأن أطفال ذهبوا إلى الصفّ، وجلسوا هناك؛ وحينما حلّ الليل، طالعوا الدروس، ولم ينشغلوا بمشاهدة التلفاز، أو الاستماع للمذياع، أو اللعب؛ وعند الامتحان، تكون كرّاساتهم ودروسهم كلّها منظّمة، فيحصلون على درجة القبول؛ وأمّا بالنسبة إلينا نحن، فالأمر مختلف، حيث أشغلنا يومَنا وغدنا، وألهينا أنفسنا بمادّة النسيان التي منها وجودُنا ـ وليس ذلك المبدأ الأصيل الذي يتعيّن علينا الوصول إليه ـ ، كما ألهى معظم الناس وعامّتهم أنفسهم؛ ففاتتنا القافلة؛ وبقينا حينئذ نتفرّج من بعيد؛ وهذا بعينه الذي سيبعث فينا الشعور بالحسرة والندم.
- سورة الكهف، الآية ۱۱۰؛ سورة فصّلت، الآية ٦.
- سورة المؤمنون، الآية ٣٣.
- كنموذج على ذلك، راجع: كتاب قيس بن سليم الهلالي، ج ٢، ص ٦٣٦ ـ ٦٦۰.
