
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
نظرات عقائديّة ومعرفيّة في بعض أصول الإسلام والتشيّع - المحاضرة السابعة
لماذا لا يعرض التزلزل والاضطراب على أهل البيت عليهم السلام، ويعرضان على بقيّة الناس؟ وهل يُمكن للإنسان بلوغ المقامات التي وصلوا إليها عليهم السلام؟ أيّة حكمة في تعرّض الإنسان للابتلاءات؟ وما هي الميزة الأساسيّة التي افترق بها أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم؟ وأخيرًا، ما هو الطريق الذي يتعيّن على الإنسان سلوكه لكي يكون في مأمن من التزلزل والاضطراب؟ هي أسئلة في ضمن أسئلة أخرى سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة.
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
4فالإنسان هو بهذا النحو؛ إذ ما إن يُذكّر بأنّ المسألة هي هكذا: «اثنان ضرب اثنان يُساوي أربعة؛ وأربعة ضرب خمسة يُساوي عشرين؛ وإذا وضعتَ عشرين داخل قوسين، وجعلتم ثمانية خارجهما، فإنّ النتيجة تصير مائة وستّين؛ وهو أمر واضح؛ وهكذا»، فإنّه سيُنكر ذلك في الغد، ويرفضه تمامًا! ولهذا، يتعيّن على الإنسان أن يأتي، ويقول مرّة أخرى: «يا عزيزي، إنّك تقبل بنتيجة ضرب اثنين في اثنين؛ ثمّ إذا ضربناها في خمسة، فإنّك تقبل أنّها تصير عشرين؛ إلى آخره.
وفي هذه الحالة، إذا أخذ الله تعالى بيد الإنسان قبل وفاته، فارتحل عن هذا العالم بإيمان وإقرار، فبها ونعمت؛ غير أنّ الإنسان يلجأ إلى الإنكار حتّى في ذلك العالم! أي أنّ الإنسان هو على درجة من العناد، بحيث نجده يركل بسرعة ذلك اللبن الذي حلبوه من البقرة، وبذلوا جهدًا مضنيًا لفترة طويلة حتّى يحلبوه منها، ويقضي على كلّ ذلك بركلة واحدة! وقد جاء في القرآن الكريم:
﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ ۖ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا ، قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَىٰ سَبِيلاً﴾.۱
أي: حينما نهب الإنسان نعمةً، فإنّه يغوص في هذه النعمة ويغرق فيها، وينسى كلّ شيء؛ فينساني أنا، وينسى كافّة الأمور الإيجابيّة، وينسى الحقائق برمّتها؛ لأنّه ينغمس في هوى تلك النعمة، وفي أشعّة أمواج الذهب والجواهر، وفي الخيالات التي ملأت ذهنه؛ فتجذبه هذه الأمور، إلى درجة أنّها لا تسمح لعين بصيرته بتجاوز هذا الحدّ؛ ﴿أَعْرَضَ﴾: فيُعرض بنحو مطلق؛ ﴿وَنَأَىٰ بِجَانِبِهِ﴾: ويتكّئ على جانبه، ويقول: ليس هناك من إله، ولا ...! ﴿وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾: لكن، إذا أصابته بليّة، وتعرّض لعقوبة، ولحقه أذى، ﴿كَانَ يَئُوسًا﴾؛ فمع أنّ هذا الإله هو الذي كان يلجأ إليه سابقًا بنحو عامّ، باعتباره هو المعتمَد والمستنَد، غير أنّنا نراه لا يتوجّه إليه حين إصابته بهذه الضرّاء لكي يأخذ بيده؛ فييأس منه مرّة أخرى.
أي: مع أنّه يكون في نعمة، غير أنّ معرفته بالله تعالى لا تكون معرفة [حقيقيّة]؛ ففي حالة إصابته بالشرّ والضرّاء، لا يعتمد على مسألة الالتجاء إلى الحقّ تعالى والتمسّك به؛ فنجد هنا أنّ الضرّاء والخير في الدرجة ذاتها والمرتبة ذاتها؛ شأنهما شأن الطاعة والمعصية. فلو أنّ الناس ارتفعوا عن مستوى هذه الطاعات العادية، وبلغوا مرتبة الطاعات المجرّدة والنورانيّة، لكان الأمر جيّدًا جدًّا؛ لكن، ما داموا لم يبلغوا هذه المرتبة، فإنّهم سيرتكبون اليوم معصية، ويلجؤون في الغد إلى الطاعة، ويعودون بعد غد إلى المعصية، ثمّ يُطيعون مرّة أخرى، حيث تكون هذه الطاعات والمعاصي كلّها متشابهة؛ فيكون الإنسان جالسًا، فيأتي على باله أن يقوم بفعل حسن، فيقوم به؛ ثمّ يخطر بذهنه أن يرتكب عملاً سيّئًا، فيرتكبه، حيث نجد هنا أنّ كلاًّ من هذه الطاعة وتلك المعصية وليدة للخيال.
- سورة الإسراء، الآيتان ۸٣ و۸٤.
