
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
نظرات عقائديّة ومعرفيّة في بعض أصول الإسلام والتشيّع - المحاضرة السابعة
لماذا لا يعرض التزلزل والاضطراب على أهل البيت عليهم السلام، ويعرضان على بقيّة الناس؟ وهل يُمكن للإنسان بلوغ المقامات التي وصلوا إليها عليهم السلام؟ أيّة حكمة في تعرّض الإنسان للابتلاءات؟ وما هي الميزة الأساسيّة التي افترق بها أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم؟ وأخيرًا، ما هو الطريق الذي يتعيّن على الإنسان سلوكه لكي يكون في مأمن من التزلزل والاضطراب؟ هي أسئلة في ضمن أسئلة أخرى سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة.
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
2أعوذُ بِاللهِ مِنَ الشَّيطانِ الرَّجيم
بِسمِ اللهِ الرَّحمَنِ الرَّحيمِ
وَصلّى اللهُ عَلَى محمّدٍ وَآلِهِ الطّاهِرين
ولعنةُ الله على أعدائِهِم أجمَعين
أشعار في مدح أهل البيت عليهم السلام
۱ـ بِآلِ مُحمّدٍ عُرِفَ الصوَابُ *** وفي أبياتِهم نَزَلَ الكتابُ ٢ـ وهُم حُجَجُ الإلَهِ على البَرايَا *** بِهِم وبِجَدِّهِم لا يُستَراب۱و٢ «۱ـ لا يُعرف الطريق المستقيم والسبيل القويم إلاّ بآل محمّد؛ وفي بيوتهم هبط الكتاب، ونزل القرآن.
٢ـ وهم لوحدهم أسوةٌ لكافّة الناس على الأرض في طريقهم إلى الله تعالى؛ وبواسطتهم وواسطة جدّهم فقط يُمكن بلوغ ذلك المحلّ والمركز الذي لا يتسلّل إليه الشكّ والارتياب؛ فلا يكون الإنسان هناك عُرضة للتوقّف، ولا للضرر».
لكنّ بقيّة المواضع والأمكنة تكون محفوفة بالشكّ والتردّد والارتياب، بحيث أينما وضع الإنسان قدمه، يتعرّض للتزلزل؛ خلافًا لمحلّ هؤلاء؛ فالمحلّ الذي يضع فيه الإنسان قدمه، ويكون صلبًا، ومصونًا من كافّة الأخطار، هو محلّ هؤلاء. فهذا الكلام هو كلام صحيح؛ أي أنّ الكلام الذي نطق به هذا الشاعر صائب.
ويمتلك الشافعيّ أشعارًا كثيرة في الإقرار والاعتراف بالولاء لآل محمّد، وهي أشعار ذات مضامين قويّة؛ ولهذا، عدّ البعضُ الشافعيَّ شيعيًّا في الأساس؛ والسبب الوحيد في افتراقه عن الشيعة يتمثّل في أنّ مدارك فتاواه هي بعينها مدارك أهل السنّة؛ شأنه في ذلك شأن أبي حنيفة، وسفيان الثوريّ، والحسن البصريّ، وأمثالهم؛ ولو أنّه كان بنفسه على خلافٍ مع أبي حنيفة؛٣ لكن، إذا غضضنا النظر عن هذا الأمر، فإنّ له أشعارًا صادحة جدًّا بحصره للولاية في الولاء لأهل البيت، إلى درجة أنّه يقول أحيانًا:
إذا كان الرفض يعني أن يتّبع الإنسانُ محمّدًا وآل محمّد، ويُحبّهم، فليشهد جميع الجنّ والإنس أنّني رافضيّ!٤
سبب عدم عروض التزلزل على أهل البيت وطروّه على بقيّة أفراد الإنسان
وحينئذ، يأتي السؤال هنا: لماذا «بِهِم وبِجَدِّهم لا يُسترابُ»؟ فلماذا انحصر عدم التزلزل بهذا الموضع؟ ولماذا لا يكون الإنسان قد تمسّك بالعُروة الوثقى مهما كان الموضع الذي وضع فيه يده؟ ولماذا يكون عُرضةً للتزلزل والاضطراب أينما وضع قدمه؟ فإذا كانت عروة الله الوُثقى منحصرة فيهم فقط، حيث يكون التمسّك بالحلقة المتينة والحبل القويم، فلماذا يضع الإنسان قدمه أينما كان؟! إذ من الممكن أن توجد هناك حفرة، فيسقط فيها الإنسان، ويقع في الظلمات؛ وأمّا هذا المكان، فهو مكان إذا وضع الإنسان فيه قدمه، فإنّه يجده مستحكمًا وصلبًا ومفعمًا بالنور والقدرة.
- سفينة البحار، ج ۷، ص ٦٦.
- معرفة الإمام، ج ۱٢، ص ٢٤۰، التعليقة ٢:«من هنا، انطلق الشاعر الشيعيّ الناشئ الأكبر شاعر أهل البيت في أشعاره، فوصف المنزلة العلميّة لأمير المؤمنين عليه السلام بنحوٍ لم يُطقه الناس، وكانوا يخشونه.. قال:
بِآلِ محمّدٍ عُرف الصوابُ *** وفي أبياتهم نزل الكتابُ وهم حجج الإله على البرايا *** بهم وبجدّهم لا يُسترابُ طعامُ سيوفهم مُهج الأعادي *** وفيضُ دمِ الرقاب لها شرابُ ولا سيّما أبا حسنٍ عليًّا *** له في العلم مرتبة تُهابُ إذا نادت صوارمُهُ نفوسًا *** فليس لها سوى نعمٍ جوابُ وبين سنانه والدرع صُلحٌ *** وبين البيض والبيض اصطحابُ بحث صاحب «نامه دانشوران ناصري» ( كتاب الحكماء الناصري) ج ٥، ص ٤۰٥ إلى ٤۰۷ حول مُنشد هذه الأبيات، وقال: نسبها المحدّث النيسابوريّ إلى العارف المشهور ابن الفارض المصريّ، وعدّها دليلاً صريحًا على تشيّعه. وذهب سبهر القاسانيّ في «ناسخ التواريخ»، وكذلك صاحب «كفاية الخصام» ـ وكتابه ترجمة لكتاب «غاية المرام» ـ إلى أنّها لعمرو بن العاص، حتّى قال صاحب «كفاية الخصام»: نصّ الإمام الفخر الرازيّ على ذلك في تفسيره، وذكرها أيضًا بعض المحدّثين كمهذّب الدين أحمد بن رضا في «تحفة الذخائر»؛ إذ أوردها في جملة القصائد التي أُنشدت في يوم غدير خمّ، ونسبها إلى عمرو بن العاص. وعندما نقل سبهر هذه الأبيات عن عمرو بن العاص في ذيل يوم الغدير، أضاف إليها البيتين الآتيين قبل البيت الأخير:هو النبأ العظيم وفلك نوح *** وباب الله وانقطع الخطابُ عليّ الدُّرُّ والذهب المصفّى *** وباقي الناس كلّهم ترابُ ثمّ قال: ويُستفاد من ترجمة الشاعر الشيعيّ عليّ بن عبد الله ـ الذي يُقال له: الناشئ الأكبر ـ أنّها له؛ قال الناشئ: كنتُ أُملي شعري في جامع الكوفة سنة ثلاثمائة وخمس وعشرين من الهجرة، والناس يكتبون، وكان أبو الطيّب المتنبّي حاضرًا، وهو لم يشتهر يومئذٍ، ولم يُعرف بلقب المتنبّي؛ وكنتُ ذات يوم أملي القصيدة التي مطلعها:هو البكّاء في المحراب ليلاً *** هو الضحّاك إذا اشتدّ الضرابُ ولمـّا بلغتُ البيتين الآتيين، وهما في مدح أمير المؤمنين عليه السلام:بآل محمّد عُرفَ الصوابُ *** وفي أبياتهم نزل الكتابُ كأنّ سنان ذابله ضميرٌ *** فليس عن القلوب له ذهابُ رأيتُ أبا الطيّب المتنبّي قد كتبهما معًا واحتفظ بهما، ليأتي بمضمونهما في أشعاره فيما بعد. أجَل، إنّ مؤلّف «نامه دانشوران» يرى انتساب هذه الأبيات إلى الناشئ الأكبر أقرب من انتسابها إلى غيره لجهاتٍ ذكرها؛ إذ إنّ أسلوبها وسياقها ومضمونها ونظمها كلّ ذلك لا ينسجم مع أسلوب الصدر الأوّل، ولا مع أسلوب شرف الدين عمر بن الفارض.وصارمه كبيعته بخُمٍّ *** معاقده من القوم الرقابُ - لمزيد من الاطّلاع على نقد الشافعيّ الشديد لأبي حنيفة، راجع: معرفة الإمام، ج ۱٦ و۱۷، ص ٣٦۰.
- معرفة الإمام، ج ۱٦ و۱۷، ص ٤۰٥:*** معجم الأدباء، ج ۱۷، ص ٣۱۰؛ تاريخ مدينة دمشق، ج ٩، ص ٢۰؛ تفسير الفخر الرازيّ، ج ٢۷، ص ۱٦٦؛ وكذلك في معرفة الإمام، ج ۱٦ و۱۷، ص ٣٩۷، «بحث حول محمّد بن إدريس الشافعيّ»:«الشافعيّ سأله بعض الناس عن صفة مولانا أمير المؤمنين عليه السلام، فقال:مَا يَسَعُنِي أنْ أقُولَ في حَقِّ مَنِ اجْتَمَعَتْ فِيهِ ثَلَاثٌ مَعَ ثَلَاثٍ لَمْ يَجْتَمِعْنَ في أحَدٍ قَطُّ: الجُودُ مَعَ الفَقْرِ، والجَلَادَةُ مَعَ الرَّأي، والعِلْمُ مَعَ العَمَلِ؛ ثُمَّ أنْشَأ يَقُولُ:
إن كَانَ رَفْضًا حُبُ آلِ مُحَمَّدٍ *** فَلْيَشْهَدِ الثَّقَلَانِ أنّي رَافِضِي ونُقل عنه أيضًا أنّه قال في جواب رجل آخر سأله عن ذلك:مَا أقُولُ في رَجُلٍ أسَرَّ أوْلِيَاؤُهُ مَنَاقِبَهُ تَقِيَّةً، وكَتَمَهُ أعْدَاؤُهُ حَنَقًا وعَدَاوَةً؛ ومَعَ ذَلِكَ، قَد شَاعَ مِنْهُ مَا مَلأتِ الخَافِقَينِ...ومن المشهور المتواتر عنه نقله قوله في جملة ما نُسب إليه كلّه:أنَا عَبْدٌ لِفَتَى أنْزِلَ فِيهِ هَل أتَى *** إلى مَتَى أكْتُمُهُ إلى مَتَى إلى مَتَى؟ لَو أنَّ المرتضى أبْدَى مَحَلَّهْ *** لَخَرَّ النَّاسُ طُرًّا سُجَّدًا لَهْ وقوله:وَمَاتَ الشَّافِعيّ لَيْسَ يَدْرِي *** عَلِيّ رَبُّهُ أمْ رَبُّهُ الله إذَا في مَجْلِسٍ ذَكَرُوا عَلِيًّا *** وَشِبْلَيْهِ وفَاطِمَةَ الزَّكِيّهْ يُقَالُ: تَجَاوَزُوا يَا قَوْمِ عَنْهُ *** فَهَذا مِنْ حَدِيثِ الرَّافِضِيَّهْ بَرِئتُ إلى المُهَيْمِنِ مِنْ أُنَاسٍ *** يَرَوْنَ الرَّفْضَ حُبَّ الفَاطِمِيَّهْ عَلَى آلِ الرَّسُولِ صَلَاةُ رَبِّي *** وَلَعْنَتُهُ لِتِلْكَ الجَاهِلِيَّة
