
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
نظرات عقائديّة ومعرفيّة في بعض أصول الإسلام والتشيّع - المحاضرة السابعة
لماذا لا يعرض التزلزل والاضطراب على أهل البيت عليهم السلام، ويعرضان على بقيّة الناس؟ وهل يُمكن للإنسان بلوغ المقامات التي وصلوا إليها عليهم السلام؟ أيّة حكمة في تعرّض الإنسان للابتلاءات؟ وما هي الميزة الأساسيّة التي افترق بها أهل البيت عليهم السلام عن غيرهم؟ وأخيرًا، ما هو الطريق الذي يتعيّن على الإنسان سلوكه لكي يكون في مأمن من التزلزل والاضطراب؟ هي أسئلة في ضمن أسئلة أخرى سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة الشريفة.
أهل البيت عليهم السلام سبيل اتّصال البشريّة بالله تعالى
13فعن طريق التوجّه إلى الباري عزّ وجلّ، والمثابرة في الطريق، والاستعانة بالتوسّل والتبتّل، وإظهار الفقر والحاجة، على الإنسان أن يسعى ـ إن شاء الله تعالى ـ إلى أن يفعل شيئًا يتمكّن بواسطته من الخروج من المـُستثنى منه، والدخول في المـُستثنى.
ما استَثْنَتِ الاَّ مع تَمامٍ يَنْتَصِبْ *** وبعدَ نفيٍ أو كنفيٍ انْتُخِبْ إتْبَاعُ ما اتَّصَلَ وانْصِبْ ما انْقَطَعْ *** وعن تَميمٍ فيه إبدالٌ وَقَعْ۱ ففي الاستثناء المتّصل، يتعيّن دائمًا نصب المستثنى في الجملة الموجبة؛ وأمّا في الاستثناء المنفيّ [المنقطع]، فقد اختلف أهل الحجاز وبنو تميم، حيث قال الحجازيّون بالنصب، والتميميّون بالإبدال.
وعلى أيّ تقدير، فلنبيّن هذه المسألة: على الإنسان أن يسعى للدخول في المستثنى؛ ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا﴾، فنجد أنّ الله تعالى "قرأ الفاتحة على الجميع"؛٢ ﴿إِلاَّ المـُصَلِّينَ﴾؛ فلماذا لا نسعى لكي نكون من المصلّين؟! هذا، مع أنّه لدينا مثل هذه الاستثناءات في مواضع عديدة من القرآن الكريم؛ وهي مسألة عجيبة جدًّا! حيث نراه قد اتّخذ حكمًا عامًّا؛ نظير:
﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ، ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ ، إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾.٣
فأنتم لا تعلمون ما الذي فعله الله تعالى في خلقة الإنسان حينما أبدعه؛ فقد أتى به من الأعلى، وأنزله إلى الأسفل؛ ثمّ استثنى من ذلك ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾، حيث إنّ هؤلاء لا يبقون في ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، بل يتجاوزون هذه الدرجة؛ أي أنّه تعالى لا يسمح بتاتًا بأن يصلوا إلى أسفل سافلين، ويبقوا هناك؛ والذين آمنوا وعملوا الصالحات ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾؛٤ بمعنى أنّ معاملتهم تكون مع الله تعالى؛ فلا يوجد هناك من يمتنّ عليهم؛ إذ لا إثنينيّة، ولا انفصال في البين! فهذا هو الأجر الذي يحصلون عليه من الله تعالى.
ندعو العليّ العظيم أن يجعلنا ـ إن شاء تعالى ـ من شيعة الأئمّة عليهم السلام، وأن يوثق على الدوام تمسّكنا بهذه العائلة الكريمة، ويُرسّخ أقدامنا، ويجعل كلاًّ من نيّاتنا وأفكارنا وصراطنا ونهجنا قويمًا ومستقيمًا؛ ويخرجنا ـ بحوله وقوّته ـ من المستثنى منه، ويُدخلنا في المستثنى.. إن شاء الله تعالى!
- الألفيّة، ابن مالك، ص ٣۱.
- كناية عن أنّه تعالى بيّن ضُعف جميع أفراد الإنسان، ومعاناتهم من المشكلة ذاتها. المعرّب
- سورة التين، الآيات ٣ ـ ٦.
- سورة التين، الآية ٦.
