
تجلّيات من التوحيد في الحياة الاجتماعيّة للفرد المسلم
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان المحور الذي يدوره حوله القرآن الكريم؛ ألا وهو التوحيد، ثمّ تحدّث عن السرّ من وراء إيجاب الهجرة من دار الكُفر، ليستعرض بعد ذلك موقف الإسلام من مسألة اللامبالاة والاحتياطات غير المناسبة؛ مشيرًا إلى بعض النماذج من التاريخ الإسلاميّ على هذه المسألة، ومبيّنًا النتائج السلبيّة المترتّبة عليها؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن أهمّ خاصّية للشيعيّ الحقيقيّ، مستعرضًا في ضمن كلّ ذلك مجموعة من المسائل والنكات القيّمة.
تجلّيات من التوحيد في الحياة الاجتماعيّة للفرد المسلم
7فقال: يغفر الله لكِ يا ابنةَ عبد المطّلب، ما لي بسلبه من حاجة؟!».۱
وما نتيجة هذا الأسلوب من التفكير؟ نتيجته لا تتمثّل في ألاّ يقتل الإنسانُ اليهوديَّ، ولا تكون له حاجة في سلبه، ويجلس في مكانه بكلّ راحة، بل إنّ نتيجته تكمن في انتصار اليهود الذين سيأتون، ويُسيطرون على هذه القلعة بذاتها، ويقتلون نساءك وأطفالك بأجمعهم أمام عينيك يا حسّان بن ثابت، ويقطعون رأسك أنت أيضًا، ويرتكبون في حقّك مئات الأفاعيل التي تفوق القتل أمام عينيك؛ ومن هنا، فإنّ مسألة:
امر طبيعت است كه بايد شود ضعيف *** هر ملتى كه راحت وعيش خو كند٢ (يقول: إنّ قانون الطبيعة يقضي بالهوان على كلّ أمّة تأنس بالراحة والترف)
هي قاعدة كلّية.
كان سعد بن أبي وقّاص من شجعان زمانه، وكان أوّل رامٍ في جيش رسول الله، بل كان قائد الرماة في عهده، ومشاركتُه في الحروب واضحة جدًّا، ويعتبره أهل السنّة من العشرة المبشَّرين بالجنّة،٣ لكنّه بعد ارتحال رسول الله، لم يبادر إلى بيعة أمير المؤمنين عليه السلام؛٤ وبعد مقتل عثمان حيث بايعه جميع المهاجرين والأنصار، تخلّف سعد أيضًا ولم يبايع أمير المؤمنين عليه السلام،٥ هل تعلمون لماذا؟ لأنّه كان "سعدًا"، وليس من شأن سعد أن يبايع عليًّا! حيث كان يرى نفسه من ناحية المكانة والشخصية الظاهريتين في نفس مستوى الإمام علي، وكان يقول: أنا لا أستطيع أن أدخل تحت إمرته٦؛ شأنه في ذلك شأن كلّ من عبد الرحمن بن عوف، وعمر، وأبي بكر، حيث لم يكن أمثال هؤلاء ليُبايعونه؛ فهؤلاء لم يتعرّفوا على تلك المكارم الأخلاقيّة ومراتبها، ولا على الولاية؛ فكانوا يقولون: نحن من الشَيَبَة ومن كبار القوم، وكنّا من حملة الرايات في زمن رسول الله، وعليّ رجل ونحن رجال؛ فلماذا ننقاد له؟ وهنا بيت القصيد! فسعد كان يقول: أنا قائد في جيش المسلمين، ويجب أن أبقى قائدًا، لا مقودًا .. هذا ما كان يدور في خاطره، فإنّ سعدًا وإن كان رجلاً مقدّسًا ومصلّيًا، لكنّ الانقياد لعليّ أمر غير مقبول عنده .. لماذا لا تبايع يا سعد؟ لا أعلم، ولا يوجد سبب معقول لذلك.
- السيرة النبويّة، ج ٢، ص ٢٢۸؛ الأمالي، الشيخ الطوسيّ، ص ٢٦۱؛ أسد الغابة، ج ٦، ص ۱۷٣؛ مع اختلاف يسير في كافّة المصادر.
- مشاهير سلماس، ج ٢، ص ۱٥٣ ـ ۱٥٥: [شعر غزليّ منسوب لنيمتاج سلماسي تحت عنوان: غزل كاوة]:
ايرانيان كه فرَ كيان آرزو كنند *** بايد نخست كاوه خود جستجو كنند آزاديت به دسته شمشير بستهاند *** مردان هميشه تكيه خود را بدو كنند [تقول: إذا كان الإيرانيّون يأملون في الحصول على نور الظفر، فإنّ عليهم بدايةً أن يعثروا على بطلهم "كاوة"لقد عُقدت حرّيّتك بقبضة السيف، وعلى الرجال أن يستندوا دومًا على قبضات سيوفهمإنّ قانون الطبيعة يقضي بالهوان على كلّ أمّة تأنس بالراحة والترف]اندر طبيعت است كه بايد شود ذليل *** هر ملّتى كه راحتى وعيش خو كنند - مسند أحمد، ج ۱، ص ۱٩٣.
- مروج الذهب، ج ٢، ص ٣٥٣.
- الكامل، ج ٣، ص ۱٥۱ و۱٦٢ و۱٩۱؛ تاريخ الطبريّ، ج ٤، ص ٤٢۸.
- الكامل، ج ٣، ص ۱٩۱:«وجاءوا بسعد بن أبي وقّاص، فقال عليٌّ عليه السلام: "بايع!" فقال: "لا، حتّى يُبايع الناسُ؛ واللهِ ما عَلَيكَ مِنّي بأسٌ!؛ فقال عليه السلام: "خلَوا سَبيلَه!"».
