
تجلّيات من التوحيد في الحياة الاجتماعيّة للفرد المسلم
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان المحور الذي يدوره حوله القرآن الكريم؛ ألا وهو التوحيد، ثمّ تحدّث عن السرّ من وراء إيجاب الهجرة من دار الكُفر، ليستعرض بعد ذلك موقف الإسلام من مسألة اللامبالاة والاحتياطات غير المناسبة؛ مشيرًا إلى بعض النماذج من التاريخ الإسلاميّ على هذه المسألة، ومبيّنًا النتائج السلبيّة المترتّبة عليها؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن أهمّ خاصّية للشيعيّ الحقيقيّ، مستعرضًا في ضمن كلّ ذلك مجموعة من المسائل والنكات القيّمة.
تجلّيات من التوحيد في الحياة الاجتماعيّة للفرد المسلم
12إنّ سبب حصول كلّ هذه الأمور ـ يا سيّدي ـ هو الاحتياط؛ فالاحتياط في محلّه جيّد، لكنّه في غير محلّه أمر مجانب للصواب؛ فإذا أردنا الوصول إلى ماء طاهر للوضوء، فهل نضيّع الوقت في البحث عن الماء حتّى تغرب الشمس وتصير صلاتنا قضاء؟! كلاّ؛ إذ لا تحتاج المسألة إلى هذا القدر من البحث، ويكفي الوضوء بهذا الماء الذي أخبروك بأنّه طاهر ظاهرًا حتّى لا تفوتك الصلاة. فصحيح أنّ هذه الحكومة لا تساوي شروى نقير، وينبغي أن تُقام حكومة إمام الزمان؛ لأنّ حكومته عليه السلام بالنحو الفلانيّ، وعدله بالنحو الكذائيّ، وهي تُمثّل حقيقة الحكم؛ لكن، هل يعني ذلك أنّه عليه السلام يأمر الإنسان بالرضوخ لكلّ جريمة كيفما كانت، والرضوخ للكفر، والامتناع عن الدفاع عن حقّه؟! فهذا مخالف لحكومة إمام الزمان، وهذا ليس احتياطًا، بل هو عكس الاحتياط!
أجل، حينما كان الحكم بيد المسلمين، وكانوا هم المتقلّدين لزمامه، فإنّهم كانوا يستطيعون حينئذ القيام في ظلّ هذا الحكم بأيّ فعل يحلو لهم؛ وأمّا عندما سقطت هذه الحكومة، فإنّه لا ينبغي اللجوء عندئذ للاحتياط؛ لأنّه أمر خاطئ ومخالف للاحتياط؛ وهي مسألة تحظى بأهمّية بالغة.
ففي ذلك الحين، سيصل الحكم إلى بني أميّة وبني العبّاس والمنصور وهارون والمأمون والمتوكّل؛ فيأتي هؤلاء، ويرتكبون أفعالاً لا أعلم ما الذي يُمكنني قوله عنها! هل التفتّم؟! حيث قام المتوكّل بإجراء الماء على قبر سيّد الشهداء عليه السلام؛ فقد هدّم القبر برمّته لمرّات عديدة، وأعاد الشيعةُ بناءه، ثمّ هدّمه مرّة أخرى، ومرّة ثانية، وثالثة، وكرّر ذلك عدّة مرّات؛ وبعد ذلك، أمر بإجراء الماء على القبر، وزرعه، لكيلا يصل إليه أيّ أحد۱.٢
وكان هناك أحد شعراء بلاط المتوكّل اسمه أبو الشمط أنشأ أبياتًا في الردّ على الرافضة والحطّ من مقام أهل البيت، حيث كانت أشعاره بسيطة جدًّا، ومفاد هذه الأشعار أنّكم أنتم يا بني العبّاس وارثو حكومة الرسول، والحمد لله تعالى أنّ هذه الحكومة صارت الآن بأيديكم، وأنّها وصلت إلى أصحابها؛ لأنّكم أنتم ورثة النبيّ! ومن يكون هؤلاء حتّى يقولوا: نحن ورثة الرسول؟! فالنبيّ لم يكن له أكثر من بنت واحدة، والإمامة لا تكون حقًّا للبنت، ولا للصهر؛ وبما أنّ الرسول لم يكن له ابن، فإنّكم أنتم أولياؤه، وهذه الحكومة من حقّكم، فافعلوا ما يحلو لكم، وما لِغيركم الذين يدّعون الإمامة قُلامة (وهي القِطع التي تسقط من القلم حين بريه)؛٣ بل ليس لهم إلاّ الحسرة والندامة، فذرهم يتفرّجوا ويحترقوا [من الغيظ]!٤
- الأمالي، الشيخ الطوسي، ص ٣٢٥ و٣٢٦؛ الكامل، ج ۷، ص ٥٥.
- لمزيد من الاطّلاع على هذه المسألة، راجع: مناقب أهل البيت عليهم السلام (فارسي)، المجلس السابع، ص ٢۰۸.
- كتاب العين، ج ٥، ص ۱۷٤: «القلم: ... والقُلامة: ما يُقلم منه».
- تاريخ الطبريّ، ج ٩، ص ٢٣۱؛ الكامل، ج ۷، ص ۱۰۱.
