
تجلّيات من التوحيد في الحياة الاجتماعيّة للفرد المسلم
في هذه المحاضرة، سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه بدايةً إلى بيان المحور الذي يدوره حوله القرآن الكريم؛ ألا وهو التوحيد، ثمّ تحدّث عن السرّ من وراء إيجاب الهجرة من دار الكُفر، ليستعرض بعد ذلك موقف الإسلام من مسألة اللامبالاة والاحتياطات غير المناسبة؛ مشيرًا إلى بعض النماذج من التاريخ الإسلاميّ على هذه المسألة، ومبيّنًا النتائج السلبيّة المترتّبة عليها؛ وفي الأخير، تطرّق للحديث عن أهمّ خاصّية للشيعيّ الحقيقيّ، مستعرضًا في ضمن كلّ ذلك مجموعة من المسائل والنكات القيّمة.
تجلّيات من التوحيد في الحياة الاجتماعيّة للفرد المسلم
6كان حسّان بن ثابت من الشعراء المشهورين في زمان رسول الله، وقد سرد أشعارًا جيّدة؛ كما دعا له النبيّ الأكرم، وقال له: «لَا تَزَالُ [إن شاء الله تعالى] مُؤَيَّدًا بِرُوحِ القُدُسِ مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِك»،۱ حيث ورد في دعائه هذا القيد: «مَا نَصَرْتَنَا بِلِسَانِك»، غير أنّه تراجع بعد ذلك.
لكنّ الشاهد هنا هو أنّه كان رجلاً جبانًا؛ فقد عمّر إلى سنّ الرابعة والتسعين، وكان عيبه أنّه كان جبانًا.٢
ففي معركة الخندق، ذهب رسول الله وكافّة المسلمين إلى خارج المدينة، وانهمكوا في حفر خندق وسط البيداء، غير أنّ حسّان لم يأت معهم بتاتًا من أجل الحفر، لأنّه كان يخاف؛ فمع أنّ الحرب لم تكن قد بدأت بعد، وكان المسلمون يحفرون الخندق، إلاّ أنّه لم يأت لحفره؛ وفي حين أنّ رسول الله والمسلمين برمّتهم ـ حتّى الشيوخ منهم ـ كانوا منهمكين في العمل، فإنّ حسّان لم يقدر حتّى على البقاء بالمدينة؛ خوفًا من يأتي بعض الأعداء الذين وصلوا إليها، ويُغيروا عليها؛ فكان مع جماعة من النساء والأطفال الذين أخرجوهم منها، وأسكنوهم في إحدى القلاع، حيث بقي وسط هؤلاء النسوة والأطفال من شدّة الخوف!
وشاهدُنا في هذه القضيّة أنّ صفيّة بنت عبد المطلّب ـ والتي كانت ابنة عمّة الرسول الأكرم ـ قالت:
«كان معنا حسّان فى حصن فارغ يوم الخندق مع النساء والصّبيان؛ فمرّ بنا فى الحصن رجلٌ يهوديٌّ، فجعل يطوف بالحصن، وقد حاربت بنو قريظة وقطعت ما بينها وبين رسول الله؛ وليس بيننا وبينهم أحدٌ يدفع عنّا؛ ورسول الله والمسلمون في نحور عدوّهم (أي أنّهم ذهبوا للدفاع بأعناقهم)، لا يستطيعون أن ينصرفوا إلينا إن أتانا آتٍ.
قالت: فقلت: يا حسّان! أنا والله لا آمن أن يدلّ علينا هذا اليهوديُّ أصحابه (فيأتون بأجمعهم، ويُغيرون على هؤلاء النسوة والأطفال، ويقتلونهم برمّتهم)؛ ورسولالله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد شُغل عنّا؛ فانزِل إليه واقْتُله!
قال: يغفر الله لكِ يا ابنةَ عبد المطّلب! ما لي بالشجاعة؟!
قالت: فلمّا قال لي ذلك ولم أر عنده شيئًا، اعتجرتُ (أي لففت نفسي، وأحكمتُ مثلاً شدّ رأسي ومقنعتي) ثمّ أخذت عمودًا ونزلت إليه، فضربته بالعمود حتّى قتلتُه؛ ثمّ رجعت إلى الحصن وقلت: ياحسّان! انزِل إليه واسلُبه (بمعنى: اذهب وأحضر سَلَبه؛ أي سيفه ولباسه و...؛ لأنّ كلّ من قتل أحدًا يملك سَلبه)! فإنّه لم يمنعني مِن سَلبه إلّا أنّه رجلٌ (فلا أريد أن أضع يدي على بدنه؛ فاذهب أنت وجرّده من ثيابه، وأحضر سَلَبه)!
- الإرشاد، ج ۱، ص ۱۷۷؛ الجمل والنصرة، ص ٢۱۷ ـ ٢٢٢؛ كنز الفوائد، ج ۱، ص ٢٦٩.
- الاستيعاب، ج ۱، ص ٣٤۸؛ أسد الغابة، ج ۱، ص ٤۸٤.
