
حقيقة فقر الإنسان وسُبُل مواجهته
ما هي حقيقة الإيمان؟ وهل تسري الحياة والشعور في كافّة الموجودات؟ من هو المالك الحقيقيّ لعلم الموجودات وقدرتها؟ أين يتجلّى جهل الإنسان وعجزه في مقابل أسرار الكون؟ وكيف له مواجهة هذا الجهل والعجز؟ ما معنى الجهاد في سبيل الله تعالى؟ وكيف يتخلّص الإنسان من العقبات التي تواجهه في طريقه نحو الله تعالى؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها بمسجد القائم في طهران.
حقيقة فقر الإنسان وسُبُل مواجهته
9ولهذا، نرى أنّ التراب في حال تغيّر، حيث يتحوّل إلى نبات وصورة إنسانيّة وصورة حيوانيّة؛ فهذا التراب بعينه يتحرّك دائمًا تحت الأرض، لتتبدّل صورته إلى جوهرة أو فحم؛ وإلاّ، لو كان ساكنًا وفاقدًا للحركة ـ أي لم يكن متحرّكًا في ذاته وسرّه ـ لما لزم أن يصير جوهرة، ولو مرّت عشرة ملايين سنة؛ فإذن، لماذا صار كذلك؟! لأنّه في حركة دائمة، غاية الأمر أنّها حركة بطيئة نعجز عن إدراكها بأعيننا، حيث إنّ هذه الأعين لا تستطيع رؤية الكثير من الأشياء، لا أنّ هذه الأشياء غير قابلة للرؤية بتاتًا! وهنا، إذا أردتُ أن أوضّح لكم مدى ضآلة ما نراه بأعيننا، قد لا تُصدّق عقولكم كثيرًا مقدار الأشياء [القليلة] التي ترونها! فأعيننا لا ترى شيئًا بالمقارنة مع الأشياء القابلة للرؤية! إذ ما هي الأمور التي يُمكن رؤيتها في عالم الوجود هذا؟ أيّها السادة، انظروا إلى خشب حامل المصحف الموجود هنا؛ فكلّ جزيئة من جزيئاته، وكلّ ذرّة من ذرّاته متحرّكة؛ لكن، هل نرى نحن حركة الخشب؟! فهذا الخشب هو في حالة مسير وحركة؛ فإذا وضعناه هنا لمدّة ألف سنة، هل سيتحلّل أم لا؟ لن يتحلّل في الحال، بل ينبغي أن تمضي ألف سنة حتّى يتحلّل؛ فإذا قسّمنا هذه الألف سنة إلى ألف درجة، فإنّ ذلك الخشب سيتحلّل درجة واحدة في فترة سنة واحدة، لا أنّه سيتأنّى لمدّة سنة، ثمّ يقفز في آخرها [فجأة] لتلك الدرجة من التحلّل؛ كما أنّ هذا التحلّل يُقسّم في كلّ سنة إلى ثلاثمائة وأربعة وخمسين يومًا بعدد أيّام السنة القمريّة؛ ممّا يعني أنّ الخشب يتحلّل كلّ يوم؛ وهكذا أيضًا، قسّموا كلّ يوم من هذه الأيّام إلى أربعة وعشرين ساعة، حيث نجد أنّ الخشب يتحلّل كلّ ساعة منها تدريجيًّا، وليس قطعةً قطعةً؛ ثمّ قسّموا كلّ ساعة إلى ستّين دقيقة، وكلّ دقيقة إلى ستّين ثانية، وكلّ ثانية إلى ثوالث، والثوالث إلى روابع، والروابع إلى خوامس، وإلى تلك الدرجات التي يبلغ كلّ واحد منها خمسة عشرة في الألف من الثانية؛ واستمرّوا في التقسيم بهذا النحو، إلى أن تتوقّف عقولكم، وتعجز عن التقسيم، بحيث لا يُمكنكم قياس هذه الأزمنة الضئيلة، ولو بالحساب الرياضيّ؛ فحتّى في هذه الأزمنة، يكون ذلك الخشب حيًّا، ومتحرّكًا، ومتّجهًا نحو هدفه المنشود؛ لكن، هل بوسعنا نحن الإحساس بهذه الحركة؟! أنّى لنا ذلك! فانظروا إلى الساعة الموجودة في جيبي، سترون أنّ عقرب الثواني فيها يدور، غير أنّكم لن تروا عقرب الساعات يتحرّك؛ فهل بحقّ نراه يدور أم لا؟ هذا مع أنّنا نقطع بأنّه يتحرّك، بحيث لو سُئل أيّ واحد فينا: «يا سيّدي، هل هذا يتحرّك أم لا»، لقال: «أجل!»؛ فلماذا إذن لا نراه كذلك؟
