
حقيقة فقر الإنسان وسُبُل مواجهته
ما هي حقيقة الإيمان؟ وهل تسري الحياة والشعور في كافّة الموجودات؟ من هو المالك الحقيقيّ لعلم الموجودات وقدرتها؟ أين يتجلّى جهل الإنسان وعجزه في مقابل أسرار الكون؟ وكيف له مواجهة هذا الجهل والعجز؟ ما معنى الجهاد في سبيل الله تعالى؟ وكيف يتخلّص الإنسان من العقبات التي تواجهه في طريقه نحو الله تعالى؟ هي أسئلة سعى سماحة آية الله العلاّمة السيّد محمّد الحسين الحسينيّ الطهرانيّ رضوان الله تعالى عليه للإجابة عنها في هذه المحاضرة التي عقدها بمسجد القائم في طهران.
حقيقة فقر الإنسان وسُبُل مواجهته
8وهو تعالى يتوفّر على علمٍ يُتيح له أن يهب كلَّ موجود من الموجودات التي خلقها علمًا خاصًّا يتناسب مع بنيته الوجوديّة؛ في حين أنّنا لا نستطيع تخطّي علمنا الشخصيّ، بحيث يكون كلّ فرد منّا محدودًا بعلمه الخاصّ؛ كما أنّ كلّ حيوان يمتلك إدراكًا وشعورًا معيّنًا، من دون أن يتوفّر على شعور الآخرين، بحيث لا يُمكن للأسد الاطّلاعُ على أسلوب تفكير الفهد وتخيّله وأحاسيسه وغرائزه؛ ولو أجهد نفسه في ذلك من الآن إلى يوم القيامة؛ إذ لم يُسمح له بهذا الأمر؛ لأنّ له عالمه الخاصّ، ولذاك عالمه الخاصّ، وكلا العالَمين يقعان في مقابل بعضهما؛ وبالتالي، فإنّ الله تعالى هو مُشعر المشاعر؛ أي أنّ كلّ مَشعَر موجود في كلّ ذي شعور متحقّق في الله، غير أنّ ذلك لا يعني أنّ له تعالى مشاعر، بل هو مشعر هذه المشاعر؛ بمعنى أنّه موجد الإدراكات والعلوم؛ و «بِتَشعيره المشاعر عُرف أن لا مَشعَر له»۱؛٢ أي: فلأنّ الله هو الذي وهب جميع الأفراد المشاعر والشعور، يُستنتج من ذلك أنّ شعوره تعالى يختلف عن هذه المشاعر؛ فهو خالق الشعور، وخازن العلم، ومعدنه.
جهل الإنسان وعجزه في مقابل أسرار عالم الوجود
أيًّا كان الموجود الذي تريد دراسته، فإنّك تجد هذا القانون الكلّي والمبدأ العامّ ـ الذي عرضته للتوّ ـ يحكمه؛ فهذا الجماد الذي نراه قد صار الآن عمودًا من أعمدة المسجد ـ وهو عبارة عن حجر من رخام ـ لم يكن من الأوّل هكذا، بل كان في البداية ترابًا وطينًا مستقرًّا في عمق البحر، وكان هذا الطين يمتلك قوّة جاذبة وقوّة دافعة، فصار متحجّرًا، حيث خضعت عمليّة تحجّره إلى هذه القوانين بعينها. فهذا الجهاز لا ينطفئ ولو للحظة واحدة؛ شأنه شأن السيّارة التي يقومون بتشغيلها، حيث نرى أنّ بعض السيّارات تشتغل لمدّة أربعة وعشرين ساعة [في اليوم]، من دون أن تنطفئ، ولو للحظة واحدة؛ ونظير ثلاّجة المنزل التي قد تشتغل خمس أو ستّ سنوات من غير أن تُطفأ ولو لآن واحد! فجهاز عالم الوجود لا ينطفئ لحظة واحدة، وإلاّ، لانتهى أمره! فذرّات حجر الرخام لم يعرضها النوم ولو لوهلة واحدة منذ عشرة آلاف سنة، وإلى الآن، حيث كانت مستيقظة طيلة هذه الفترة؛ بمعنى أنّها إذا خمدت لحظة واحدة، وفقدت ذلك الشعور والحسّ الذي وهبه الله تعالى إيّاها، فإنّها تصير صفرًا؛ في حين أنّها لا تكون صفرًا، ولو لآن واحد؛ إذ نجدها تتحرّك في هذا الآن بعينه باتّجاه الكمال الذي عيّنه الله تعالى لها.
- نهج البلاغة، صبحي الصالح، ص ٢۷٣.
- لمزيد من الاطّلاع على خطبة أمير المؤمنين عليه السلام التوحيديّة التي ألقاها في جواب ذعلب، راجع: معرفة الله، ج ٢، ص ٩۷.
