
الإمام عليه السلام هويّةُ التشيع
النصف من شعبان لعام 1427 هـ ق
ما معنى إحياء ذكر أهل البيت عليهم السلام وبماذا يمتاز إحياء ذكر الإمام الحجّة عليه السلام عن إحياء ذكر سائر الأئمّة؟ ولماذا لا يجوز إحياء الذكرى السنويّة حتّى للعلماء في مدرسة التشيّع؟ ما هو الحدّ الأدنى من آثار الاعتقاد بحياة الإمام وما هو الحدّ الأعلى لذلك؟ لماذا لا بدّ من العمامة وما هي رسالتها إلى الدنيا؟ وما هي وظائف العلوم الدينيّة؟ كيف نعرف الحقّ من الباطل؟ وهل تثمّن علوم أهل البيت بثمن؟! تتناول هذه المحاضرة دراسة تلك المحاور جاعلة رسالة إحياء هذه الذكرى أنّ الإمام عليه السلام هو الذي يشكّل هويّة التشيّع. ولذلك على طلاب العلوم الدينيّة أن يجعلوه محور دراستهم وعملهم.
الإمام عليه السلام هويّةُ التشيع
14لقد حاججنا نحن أهل السنّة ألفًا وأربعمائة عام بأنّ الخليفة الثاني قد وقف في مواجهة الوحي ونسب إلى النبيّ ـ والعياذ بالله ـ الهذيان والكلام بالخرافة.۱ والآن يقوم رجل ويقول: إنّ هذه القصّة كاذبة من أصلها!
عجيب! ثمّ نقول: لنجلس ونسكت ولا نتكلّم بشيء ولا نطرح أيّة مسألة! إنّنا بهذا الكلام سنجعل المذهب وأصول التشيّع موضع شكّ!
أو نقول: لا سند لزيارة عاشوراء أصلاً.
فماذا بقي إذن؟!٢ أو ذلك السيّد الذين يقول في أحد البلدان: إنّ قصّة ضرب السيّدة الزهراء كذب محض! فمن الذي يفعل أمرًا كهذا؟!٣ الحمد لله نحن صرنا ملوكيّين أكثر من الملك ونريد أن نردّ ما يعترف به أهل السنّة أنفسهم.٤
فهنا نحن بدلاً من أن نأخذ الحقيقة والواقع وبدلاً من أن نأخذ بمسألة متابعة الإمام عليه السلام ونعمل بها نقوم بالمزج والخلط بسائر الأمور كالأوضاع المعاصرة وظروف الأيّام والمصالح اليوميّة والمنافع اليوميّة ومقتضيات الزمان و… فنعجنها معًا ونخرج بمزيج من الطعام فيه كلّ شيء! فهذا لا يمكن!
إنّ من يريد أن يدخل في هذا السلك والمسير لا بدّ أن يكون هدفه واضحًا. لا بدّ أن يكون الهدف هو الوصول إلى القواعد الأصليّة التي جاءت عن المعصومين الأربعة عشر وفقط والسلام.٥ لا بدّ أن يكون الطريق طريقًا يوصل الإنسان إلى ذاك الهدف بغير انحرافٍ ذاتَ اليمين وذاتَ الشمال. الطريق هو طريق أولياء الله. وهنا يتبيّن أنّه يجب أن لا يتصوّر أنّ كلّ من لبس هذا اللباس أمكنه أن يوصل الإنسان إلى هذا الهدف. كلاّ فليس الأمر هكذا.
جاء أحد أرحام المرحوم العلاّمة إليه ـ كان المرحوم العلاّمة خاله ـ فقال له: أنا أريد أن أدخل في سلك الطلاّب وأصبح طالبًا للعلم.
فقال له المرحوم العلاّمة:
إن أردت أن تأتي إليّ فلا بدّ أن تعمل كما أقول لك لا كما هو الحال في بيت أبيك، عليك أن تكون طالبًا على النحو الذي أقوله أنا، لا بطريقة أن يأتي خمسة عشر رجلاً ويجلسون معًا ويضعون ثلاث نارجيلات ويصدرون أصواتها من الصباح حتّى الظهر ويتحدّثون عن كلّ مكان، وعند الظهر يقومون إلى المسجد ويصلّون ثمّ يرجعون إلى بيوتهم. بل عليك أن تعمل بالطريقة التي أقولها، عليك أن تطوي هذا الطريق، عليك أن تقوم بذاك العمل، عليك أن لا تذهب إلى ذاك المكان، وأن تذهب إلى ذاك، عليك أن تبتعد عن هذه الأمور! عليك أن تكون على الطريقة التي أقول. فإن أردت فتفضّل بسم الله!
- الملل و النّحل، ج ۱، ص ٢٢؛ صحیح البخاري، ج ۱، ص ٣۷؛ ج ٥، ص ۱٣۸؛ ج ۸، ص ۱٦۱؛ صحیح مسلم، ج ٥، ص ۷٦؛ السقیفة وفدك، ص ۷٦؛ طرف من الأنباء والمناقب، ص ٢٥؛ نهج الحق و کشف الصدق، ص ٢۷٤؛ إرشاد القلوب، ج ٢، ص ٣٩٣؛ شرح نهج البلاغة، ابنأبي الحدید، ج ۱٢، ص ٢۰.
- ورد سند زیارة عاشوراء في کامل الزّیارات، ص ۱۷٤ على النحو التالي: «حَدَّثَنی حَکیمُ بنُ داوُدَ بنِ حَکیمٍ و غَیرُهُ، عن محمّدِ بنِ موسَی الهَمدانیِّ، عن محمّدِ بنِ خالِدٍ الطَّیالِسیِّ، عن سَیفِ بنِ عَمیرَةَ و صالِحِ بنِ عُقبَةَ جَمیعًا عن عَلقَمَةَ بنِ محمّدٍ الحَضرَمیِّ و محمّدِ بنِ إسماعیلَ، عن صالِحِ بنِ عُقبَةَ، عن مالِکٍ الجُهَنیِّ، عن أبي جعفرٍ الباقرِ علیه السّلام قال: ”مَن زارَ الحُسَینَ علیه السّلام یَومَ عاشوراءَ مِنَ المُحَرَّم...“ فَقالَ: ”یا عَلقَمَةُ، إذا أنتَ صَلَّیتَ رَکعَتَینِ بَعدَ أن تومِئَ إلَیهِ بِالسَّلامِ و قلتَ عندَ الإیماءِ إلَیهِ و مِن بَعدِ الرَّکعَتَینِ هذا القَول: ... السَّلامُ عَلَیك یا أباعبدِ اللهِ، السَّلامُ عَلَیك یا ابنَ رسولِ الله... .»
- القائل بذلك آیة الله محمد حسین آل کاشف الغطاء في کتاب جنة المأوی، ج ۱، ص ٦٢ ـ ٦٦ ؛ و القائل الآخر بهذا الکلام السید محمد حسین فضل الله من علماء لبنان المعروفين. وقد أجاب آیة الله السید جعفر مرتضی العاملی في کتاب مأساة الزهراء علیها السلام، ج ۱، ص ۱٣۰ جوابًا قاطعًا و مبرهنًا على شبهاته لإنكار شهادة السيّدة الزهراء عليها السلام. (المحقّق)
- المراجعات، سیّد شرف الدین، ص ٣٤٦، تعلیقه: «تهدیدُهم عَلیًّا بِالتَحریق ثابتٌ بالتواترِ القَطعيّ، و حَسبُك ما ذکَرَه الإمامُ ابنُ قُتَیبة فی أوائل کتاب الإمامة والسیاسة، و الإمام الطبريّ في موضعین من أحداث السَّنَةِ الحادیة عشرة من تاریخه المشهور، و ابنعبد ربّه المالکيّ في حدیث السقیفة من الجزء الثانی من العقد الفرید، و أبو بکر أحمد بن عبد العزیز الجوهريّ فی کتاب السقیفة، کما فی ص ۱٣٤ من المجلد الأول من شرح النهج الحمیدي الحدیديّ، و المسعوديّ فی مروج الذهب نقلًا عن عروة بن الزبیر فی مقام الاعتذار عن أخیه عبد الله، إذ هم بتحریق بیوت بني هاشم حین تخلفوا عن بیعته، و الشهرستاني نقلًا عن النظّام عند ذکره الفرقة النظّامیّة من کتاب الملل والنحل، وأفرد أبو مخنف لأخبار السقیفة کتابًا فیه تفصیل ما أجملناه. و ناهيك فی شهرة ذلك وتواتره قول شاعر النیل، الحافظ إبراهیم فی قصیدته العمریّة السائرة الطائرة:
و قَولَةٌ لِعَلیٍّ قالَها عُمَرُ *** أکرِمسامِعِها أعظِم بِمُلقیها حَرَّقتُ دارَك لا اُبقي علیك بها *** إن لم تُبایِع و بِنتُ المُصطَفیٰ فیها هذه معاملتهم للإمام الذی لا یکون الإجماع حجة عندنا إلّا إذا کان کاشفًا عن رأیه، فمتیٰ یتمّ الاحتجاج بمثل إجماعکم هذا علینا، و الحال هذه یا منصفون؟!»ذکر بعض الأخبار من کتب أهل الخلاف في هذا الموضوع:الملل و النّحل، ص ٥۷، نقلاً عن إبراهیم بن سیّار بن هاني النظّام: «فقالَ: إنَّ عُمَر ضَربَ بَطنَ فاطمةَ یومَ البَیعَةِ حَتّی ألقَتِ الجَنینَ مِن بَطنِها؛ و کان یصیحُ: ”أحرِقوا دارَها بِمَن فیها!“ و ما کان فی الدّارِ غیرُ علیٍّ و فاطمةَ والحسنِ والحُسینِ.»الوافی بالوفیات، ج ٦، ص ۱٥: «و قال [أی النظام]: إنّ عُمَر ضرب بطنَ فاطمة یوم البیعة حتی ألقت المحسن من بطنها.»الإمامة و السّیاسة، ص ٣۰: «قال: و إنّ أبابکرٍ ـ رضیَ اللهُ عَنه ـ تَفَقَّد قومًا تَخلَّفوا عن بَیعَتِه عندَ علیٍّ کرَّمَ اللهُ وَجهَه، فبَعَث إلیهم عُمرَ، فَجاءَ فَناداهُم و هُم فی دارِ عَلیٍّ فأبَوا أن یخرُجوا، فَدَعا بالحَطَبِ و قال: ”و الَّذی نَفسُ عُمَر بیَدهِ، لَتَخرُجَنَّ أو لاحرَقتُها علَی مَن فیها!“ فقیلَ لَه: ”یا أبا حفصٍ، إنَّ فیها فاطمةَ!“ فقال: ”و إن!“»میزان الاعتدال، ج ۱، ص ۱٣٩، فصل ذکر احوال أحمد بن محمّد بن السري بن یحیی بن أبي دارم المحدّث: «و قال محمّدُ بن أحمد بن حمّاد الکوفيّ الحافظ، بعدَ أن أرَّخَ مَوتهُ: کان مُستقیمَ الأمرِ عامَّةَ دَهرِه، ثُمَّ فی آخرِ أیّامِه کان أکثرَ ما یقرأ عَلیهِ المَثالِبُ. حَضَرتُه و رَجُلٌ یقرأُ علیهِ: ”إنَّ عُمَر رَفَسَ *** فاطمةَ حَتَّی أسقَطَت بمُحسِن.“» *** قال الفراهیدی فی کتاب العین، ج ۷، ص ٢٤٦: «الرَّفسَة: الصَّدمة بالرِّجل في الصدر.» و قال الجوهری فی الصحاح، ج ٣، ص ٩٣٦: «الرَّفسُ: الضّربُ بالرِّجل.»ما کان غَیرُ أبي حَفصٍ بِقائِلِها *** أمامَ فارِسِ عَدنانٍ و حامیها - الکافي، ج ۱، ص ٢٦٥: «إنَّ اللهَ عزّوجلّ أدَّبَ نَبیَّهُ عَلیٰ مَحَبَّتِهِ فَقالَ: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ [سورة القلم (٦۸) الآیة ٤] ثُمَّ فَوَّضَ إلَیهِ فَقالَ عزّوجلّ: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [سورة الحشر (٥٩) الآیة ۷] و قال عزّوجلّ: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَهَ﴾ [سورة النساء (٤) الآیة ۸۰]. (قال: ثُمَّ قال:) و إنَّ نَبیَّ اللهِ فَوَّضَ إلیٰ عَلیٍّ وائتَمَنَهُ فَسَلَّمتُم و جَحَدَ النّاسُ، فَوَاللهِ لَنُحِبُّکُم أن تَقولوا إذا قُلنا و أن تَصمُتوا إذا صَمَتنا، و نَحنُ فیما بَینَکُم و بَینَ اللهِ عزّوجلّ، ما جَعَلَ اللهُ لِأحَدٍ خَیرًا فی خِلافِ أمرِنا.“»
