
إيصال إمام الزمان الناسَ إلى حقيقة الله أكبر
النصف من شعبان لعام 1409 هـ ق.
بماذا اشترك النبيّ محمّد صلّى الله عليه وآله مع سائر الأنبياء عليهم السلام وبماذا اختلف عنهم؟ ما معنى العصمة وما هي مراتبها؟ وما معنى التوحيد وما هي مراتبه؟ ما معاني كلمات سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر؟ وبماذا تختلف كلمة الله أكبر عن سائر الكلمات؟ ما هي وظيفة صاحب الزمان عليه السلام؟ ما معنى انتظار الفرج؟ تجيب هذه المحاضرة عن هذه الأسئلة مستشهدة بالعديد من الآيات والروايات والمواقف من حياة الأعاظم.
إيصال إمام الزمان الناسَ إلى حقيقة الله أكبر
6والآن كلامنا هو في أنّ النبيّ داوود عندما حكم ألم يكن قد وصل إلى مرحلة الرسالة؟ من المسلّم أنّه كان قد وصل إلى الرسالة، لأنّ لدينا في الآيات الشريفة أنّا نحن آتينا داوود الحكم ووهبناه من علوم القضاء والقدر الخاصّة بنا، وكان داوود يحكم بحسب الواقع. فماذا حصل هنا؟ إن قلنا إنّه اشتبه فهذا ينافي رسالته.
ثمّ لدينا هنا: ﴿إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ﴾ أفهل إذا جاء اثنان إلى القاضي يأتيان من أعلى الجدار؟! إنّهما يطرقان الباب ويدخلان. فإذن المسألة لم تكن مسألة ظاهريّة، بل كانت باطنيّة وفي عالم المكاشفة، وقد حصل للنبيّ كشف كهذا. أما لو جاء إليه اثنان وجعلاه حكمًا وأراد أن يحكم فلا يمكن أن يشتبه ذلك النبيّ في حكمه!
إنّ العصمة هي في عالم الظاهر وفي بيان الحقائق وإيصال الأحكام الإلهيّة والقوانين إلى الخلق فلا ينبغي أن يبتلى النبيّ بالاشتباه، ولكن لدينا أنّ «حسنات الأبرارِ سَيئاتُ المُقَرَّبين.»۱ ممّا يعني أنّه في تلك المقامات العالية يمكن أن يعدّ أمر من الأمور من غير الذنوب بحسب النظرة المتعارفة بل وحتّى في عوالم أرفع، ولكنّه بالنسبة إلى العوالم الأرفع من ذلك يعدّ ذنبًا لا يغفر ولا ينبغي أن يصدر هذا الذنب من إنسان كهذا.
فالأنبياء مختلفون من هذه الناحية وسعتهم وإدراكهم بالنسبة إلى الصفات التوحيديّة لله والمعارف الإلهيّة مختلفة، وإن كانوا جميعًا مشتركون في أنّهم يدعون جميع الخلق من البدء إلى الختم إلى التوحيد والخروج من الشرك، فهم جميعًا شركاء في ذلك ولا يختلفون. ﴿لَئِنۡ أَشۡرَكۡتَ لَيَحۡبَطَنَّ عَمَلُكَ﴾؛٢
ما لا ينسجم مع طريق التوحيد وما لا يتلاءم مع التديّن والعبوديّة هو الشرك. لذلك لدينا: ﴿إِنَّ ٱللَهَ لَا يَغۡفِرُ أَن يُشۡرَكَ بِهِۦ وَيَغۡفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَآءُ﴾.٣ لماذا لا يمكن أن يغفر؟ لأنّ هذا من لوازم التوحيد، فمن لوازمه نفي الغير والغيريّة، وجعل الشريك في العبادة والعبوديّة يتنافى مع التوحيد والعبوديّة، لذلك لا يمكن أن يغفر. فالصلاة التي نصلّيها مقبولة بمقدار ما فيها من توجّه وإقبال على الله، وبمقدار ما ينقص ذلك فهي ليست مقبولة. والعبادة التي نؤدّيها مقبولة بمقدار ما فيها من توجّه، وبمقدار ما ينقص ذلك منها فهي مردودة، والروايات كثيرة في هذا المجال ولا بدّ من مراجعة الكتب المتكفّلة بذلك.٤
- ليست عبارة حَسَنَاتُ الأبْرَارِ سَيِّئَاتُ المُقَرَّبِينَ مضمون رواية، على الرغم من أنّها حكم صحيح و مطلب واقعيّ و حقيقيّ. (تعليقة للمرحوم العلاّمة على رسالة السير والسلوك المنسوبة إلى بحر العلوم، ص: ۱٤۱)
- سورة الزمر (٣٩) الآية ٦٥.
- سورة النساء (٤) الآية ٤۸.
- راجع: تفسير العياشي، ج ٢، ص ٣٥٣؛ الكافي، ج ٢، ص ٢٩٣ ـ ٢٩۷؛ عدّة الداعي، ص ٢۱۷.
